بعقلين: بين الجبل والذاكرة

 فاروق غانم خداج

كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني

في زاوية هادئة من لبنان، حيث تتعانق التلال وتهمس الغابات بصوتها الخاص، تقع بعقلين. 

ليست مجرد بلدة عابرة على الخريطة، بل عالم حيّ يتنفس، يتذكر، ويحتفظ بأسراره في صمت الحجر وترنيم الماء. 

هنا، يبدأ النهار بقرع الفجر نوافذَ الحجر القديم، ويستيقظ نسيمٌ باردٌ لا يستأذن، حاملاً معه رائحة الأرض المبتلة بالندى، ورائحة الصنوبر والأعشاب البرية التي تنبت بلا داعٍ إلا للحرية.

الأشياء الصغيرة تحكي أكبر الحكايات: جرة فخارية فارغة تروي تاريخ أجيال، باب حديدي مهجور يصرّ مع الريح؛ وكأن شاعرًا رحل ولم يغلق قافيته بعد، وطفلة في المكتبة تضع يدها على كتاب، لا تدري أن الجدران من حولها كانت تبكي يومًا. 

لكن الجدران تذكر.ليس في بعقلين مساحة للخطابات أو الشعارات. 

التعايش بين الكنيسة والدروز بين التلال لا يُفرض بالقوانين، بل يُشاهد في الحياة اليومية، في شرفات البيوت الموجهة نحو الشمس، وفي سؤال رجل عجوز في المقهى: "من أي عيلة أنت؟" هكذا يتنفس لبنان هنا: مقاهٍ وحكايات، ذكريات مشتركة، صمت الجبال، وضحك الأطفال، كما في تاريخ الشوف الغني بالتعايش.

في بعقلين، لا تعرف إن كنت دخلت البلدة أم البلدة دخلت قلبك أولًا. 

الفجر يقرع نافذتك بنفسه. أول ما تشعر به هو النسيم البارد الذي يتسلل من تحت الباب ومن شقوق النوافذ، كأنه يريد أن يختبر إن كنت حيًا حقًا. 

ثم تأتي الرائحة: الأرض المبتلة بالندى، والصنوبر الذي لا ينام، والأعشاب البرية التي لم تعرف قط معنى أن تُزرع. 

إنها رائحة لا تشبه غيرها؛ رائحة بعقلين حين تكون في أصفى حالاتها، قبل أن تبدأ الضجة الإنسانية اليومية. 

في تلك الساعة، تشعر أن الجبل يتنفس، وأنك أنت — الضيف الصغير — تتنفس معه.

الشارع الأول يستقبل ضوء الشمس بخجل، كما لو أن البلدة لا تريد أن تستيقظ كلها مرة واحدة. 

على جانب الطريق، قصر آل حمادة الذي شُيّد عام 1592، لا يزال واقفًا، كأن الزمن لم يمر عليه. 

كان دارًا للحكام، وهو الآن شاهد صامت على حكايات لا تُروى في الكتب.في السوق، الباعة ينادون على خضارهم وفواكههم، وصوت الخبز الطازج ينساب من الفرن، واللمسات على الثمار تحكي خبرة أعوام من العمل. 

رجل عجوز في المقهى يشير إليّ كأنه يعرفني منذ زمن. 

الأسماء هنا ليست مهمة. المهم أن تجلس، وأن تستمع.شلالات الزرقا تهبط من الجبال؛ أحيانًا بخجل، كأنها تستأذن الحجر، وأحيانًا بعنف، كأنها تثأر لشيء لا نعرفه. 

لكنها دائمًا تفعل ذلك في صمت غريب — ليست ضجّة الماء التي تسمع، بل ضجّة قلبك أنت. 

هناك، قريبًا من الشلال، تقع "عين الضيعة" الأثرية التي بناها نسيب بك جنبلاط عام 1890. 

صورتها كانت يومًا على ورقة نقدية من فئة خمس وعشرين ليرة. الآن، الماء لا يزال يتدفق منها، وكأنه يقول: الأوراق النقدية تذهب، لكن العين تبقى.عند السراي العثماني القديم، الذي أصبح اليوم المكتبة الوطنية، تقف أمام جدران تحمل أثقل شيء في الوجود — الحرية. 

بُني عام 1897 في زمن المتصرفية، وكان سجنًا. هنا، كان الإنسان يُحبس لأنه قال كلمة، أو لأنه اعتقد فكرة. 

والآن، يأتي الأطفال ليقرأوا، ليحرروا أنفسهم بالكلمة نفسها التي كانت سبب سجن أجدادهم. 

هذا التحوّل من السجن إلى الحرية ليس مجرد حدث معماري، بل رمز حيّ لروح بعقلين المتجددة.في قاعة الأطفال، رأيت طفلة لا تتجاوز السابعة. كانت تضع يدها على غلاف كتاب، وعيناها تلمعان بذلك الضوء الذي لا تعرف له تفسيرًا. وقفت طويلًا أنظر إليها. 

أتت لتقرأ، لا لتعرف أن هذه الجدران كانت سجنًا. وربما هذا هو النصر الحقيقي: أن تأتي الأجيال الجديدة إلى المكان نفسه، ولا تعرف شيئًا عن قيوده. 

الجدران وحدها تذكر، وهي سعيدة الآن أنها تذكر من فرح، لا من حزن.

في أحد الأزقة الضيقة، رأيت جرة فخارية قديمة على حافة نافذة. لم يكن فيها ماء ولا زهور، كانت فارغة. سألت صاحب الدار العجوز: "لماذا تتركها هنا؟" ابتسم وقال: "لأنها تذكرني بأنني كنت أشرب منها وأنا صغير. 

الآن، أشرب من الثلاجة. لكن الجرة تبقى." أدركت حينها أن بعقلين كلها تشبه هذه الجرة: لم تعد تُستعمل كما كانت، لكنها تبقى. 

لا يجرؤ أحد على إزاحتها، لأن إزاحتها تعني أن ننسى من كنا.في بعقلين، لا تحتاج إلى أن تسأل أحدًا عن دينه. الجدران وحدها تكفيك. 

كنيسة مار إلياس لا تنظر إلى الجبال بغطرسة، بل بتواضع حجر عرف كيف يصلّي منذ 1753. 

وشرفات البيوت الدرزية تتجه نحو الشمس، حيث تشرق العقل والحكمة. 

الأجراس لا تتعالى على أحد، والصمت الدرزي لا يبتلع أحدًا.وفي رأس النحل، صومعة الشيخ أبو علي يوسف بردويل بورسلان (القرن الثامن عشر) لا تزال واقفة، تذكّر بأن الروح هنا كانت دائمًا تبحث عن السماء.

في الليل، حين يسكت كل شيء، تسمع صوتًا لا يُسمع في النهار: صرير باب حديدي قديم في منزل مهجور. 

يفتح ويغلق مع الريح، كأن شاعرًا رحل منذ زمن، ولم يُغلق أحد بابه منذ رحيله. كل ليلة، يفتح الباب ويغلق، وكأن صاحب البيت — أيًّا كان — لم يقرّر بعد أن يرحل تمامًا.في شهر أيلول، يقيمون مهرجانًا للعنب والتين. 

النساء يضعن منتجاتهن على الستاندات، والرجال يتحدثون عن الموسم. 

قلت لأحدهم: "يبدو أنكم تحتفلون بالحياة." ابتسم: "نحن في بعقلين، نحتفل بكل شيء… حتى بالأشياء التي فقدناها."

رحلت عن بعقلين في المساء. في السيارة، لم أفتح الراديو. أردت أن أسمع صمت الجبل يودّعني. 

في مرآة السيارة الخلفية، رأيت التلال تبتعد، ورأيت الضوء الأخير يموت على قممها. قلت لنفسي: "لن تعود." لكنني عرفت أنني سأعود. لأن بعقلين من تلك الأماكن التي لا تغادرها حقًا.

هي ليست مجرد نقطة على الخريطة، ولا مجرد زيارة في يوم ربيعي. هي تلك الحالة التي تظل تلاحقك: رائحة ترابها في أنفك، برد صباحها على جلدك، وصوت مائها في أذنك حين تحاول أن تنام في المدينة. 

بعقلين هي أن أكون هناك، وأنا هنا.هذه هي معجزتها. هذه هي روحها التي تحرسها منذ قرون، وستظل تحرسها بعدك، حتى يقرّر الزمن نفسه أن يتوقف لحظةً واحدة ليستمع إلى نبضها.