الدكتورة خولا الخوريرئيسة الجمعية اللبنانية للتراث والاثار
ALCAP
تقع حامات في قضاء البترون، محافظة الشمال، على ارتفاع يقارب 287 مترًا فوق سطح البحر، وتشرف على رأس الشقعة، وهي نتوءات صخرية بارزة تمتد على الساحل اللبناني، ما يمنحها موقعًا طبيعيًا مميزًا يجمع بين البحر والجبل.
عرفت حامات استيطانًا بشريًا منذ الألفية الخامسة قبل الميلاد، إذ عُثر على حجارة صوان على شاطئها وفي مغاورها، ما يدلّ على وجود بشري مبكر.
كما تشير البقايا الأثرية إلى آثار سكن تعود إلى الألفية الثانية قبل الميلاد في منطقة مزرعة حنوش التابعة لحامات. وتعاقبت على البلدة حقبات تاريخية عدة، من الرومانية والبيزنطية إلى الصليبية والمملوكية، وكلّها تركت بصماتها في معالمها وآثارها.
ويشهد وجود الطرق القديمة والأنفاق والكهوف الطبيعية على أهمية الموقع عبر العصور كممرّ للتجارة والسفر.
وتحتفظ حامات على شاطئها بعدد كبير من الملاحات (برك استخراج الملح)، إلا أنها اليوم في حالة متدهورة وتحتاج إلى عناية وصون.
ومن أبرز معالمها التاريخية قلعة المسيلحة، وهي قلعة شبه مكتملة تقوم على تلة صخرية تشرف على نهر الجوز والطريق الساحلي. ويُرجَّح أنها شُيّدت في القرن السابع عشر في عهد الأمير فخر الدين المعني الثاني لتكون حصنًا دفاعيًا يحمي الطريق بين طرابلس والبترون، مع وجود آراء تشير إلى احتمال قيامها على أساسات أقدم.
ومن أهم المعالم الدينية القديمة دير سيدة النورية، ويُعد من أقدم الأديرة في المنطقة. ووفقًا للتقاليد المحلية، أُقيم في القرن الرابع الميلادي كمزار في موقع كهوف على المرتفعات، بعد نجاة بحّارة من خطر في عرض البحر، ثم تطوّر إلى دير في القرون اللاحقة. ويشكّل الدير اليوم مقصدًا للحج والصلاة، مطلًا على البحر الأبيض المتوسط، وشاهدًا على عمق الحضور المسيحي في الساحل اللبناني عبر العصور.وعلى مقربة منه تقع كنيسة مار الياس - رأس الشقعة في أعلى رأس الشقعة، وتعود إلى فترات تاريخية قديمة، وقد خضعت لأعمال ترميم وإضافات متعاقبة، لتبقى جزءًا أصيلًا من التراث المسيحي في حامات.تتميّز حامات بطبيعتها الخلابة، حيث تحيط بها الجبال وتنتشر الأشجار والنباتات المتنوعة، وتقوم على هضبة تمتد فوق البحر، ما يجعلها موقعًا سياحيًا وطبيعيًا فريدًا.
كما تضم كهوفًا ومغاور طبيعية وأنفاقًا تاريخية ذات أهمية ثقافية وسياحية.وهكذا، تُعد حامات وجهة تجمع بين التراث الديني والتاريخي، والعمارة التقليدية، والبيئة البحرية الجبلية، ما يجعلها محطة مميزة في شمال لبنان لعشّاق التاريخ والطبيعة والسياحة الثقافية.