الحرب والسلم والنفس البشرية

 

ايمان أبو شاهين يوسف - 21-10-2023

 يُعرِّف القاموس العلمي للقانون الإنساني الحرب، على انها ظاهرة للعنف الجماعي المنظم التي تؤثر إما على العلاقات بين مجتمعين او اكثر، أو تؤثر على علاقات القوة داخل المجتمع. وتخضع الحرب لقانون النزاع المسلح، الذي يدعى أيضا" القانون الدولي الإنساني".

 أمّا السلم فهو الحوار والتعايش والتفاهم بين مختلف الجماعات والشعوب في إطار من الأخوة والتعاون رغم اختلاف ثقافاتها وحضاراتها شريطة عدم التنازل عن الحقوق والمقدسات.  وإشاعة مفهوم السلم على المستوى العالمي هو من واجبات المنظمات الدولية التي تعمل على احترام حقوق جميع الشعوب دون تمييز.

 السؤال الذي يطرح في هذا المجال هو: هل يمكن للإنسان ان يعيش في سلام دائم؟؟؟ 

حتى يتمكن الانسان ان يعيش في سلام دائم عليه أولا ان يتوقف عن الطمع والحقد والحسد والخداع، وعن الشهوة وحب السيطرة على الاخرين وفرض ارادته وقناعاته عليهم وسلبهم حريتهم وحقهم في الخيار والتمتع بحقوقهم وممتلكاتهم..........وغيرها الكثير من الأمور التي تسبب خللا في العلاقة تؤدي الى الغضب والاذى والاستياء الذي يحتم الدخول في صراع دائم مع الاخرين. 

والحقيقة ان النفس البشرية ليست خيرا وحسب، ولا شرّاً وحسب، بل هي كما جاء في القرآن الكريم: ... ونَفْسٍ وَمَا سوَّاها، فأَلْهَمَها فُجورَها وتَقواها، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاها (سورة الشمس الاية7-8-9-10)

 وهذا يعني بحسب تفسير آية الشمس في الموسوعة القرآنية، بان الله عز وجلّ قد خلق الانسان مزوداً باستعدادات متساوية للخير والشر والهدى والضلال، فهو قادر على توجيه نفسه الى الخير والى الشر. والله زوّد الانسان بالعقل، والإرادة، والحرية، والاختيار. وقد بيّن له طريق الهدى وطريق الضلال، وأودع في النفس البشرية أصول المعرفة، والتمييز بين الحق والباطل، فمن حمل نفسه على الاستقامة وصانها عن الشر فقد رزق الفلاح والسداد، ومن اهمل نفسه واتبع شهواته وأرخى العنان لنزواته فقد خاب لأنه هوى بنفسه من سمو الطاعة الى حضيض المعصية). 

والحقيقة التي لا تخفى على احد هي تنوع الحاجات، والمصالح، والمشاعر، وطرق الادراك المختلف عند الانسان. هذا التنوع ينتج تنوعا في المواقف الإنسانية التي اما تؤدي الى النزاع واما الى السلام الذين يحققا السعادة الإنسانية التي يستحيل تحقيقها بشيء واحد او بطريقة واحدة، بل إنها تستدعي تواجد أشياء متعددة تكوِّن قناعة في العقل وتراكماً في القلب يعطي وقعاً إيجابياً على الذات الإنسانية. 

لهذا فان الناس الذين يبحثون عن مواطن السعادة عليهم اقتحام الثغور التي توصل اليها، مما يولد النزاع فيما بينهم الذي قد يدخل في مسار لولبي لا نهاية له الا بالحرب والصراع. 

وقلّة من الناس هم من يصلون الى السعادة عبر السلام الذاتي لان هذا السلام هو بحدّ ذاته نجاح عظيم لا تصنعه الصدف ولا يأتي بصورة عبثية، بل انه يتطلّب قلبا طاهرا مليئا بالرضا الكامل عن الذات وعلى ما يصدر منها بالقدر الذي لا يمكن لاحد انتزاع ما تحمله من خير وصلاح. 

هذا على المستوى الفردي، امّا على المستوى الجماعي فالسلام لا يمكن تحقيقه بشكل جدي إلاّ بالتعامل مع الأسباب الكامنة وراء اقتتال الناس فيما بينهم، إضافة لمساعدة ودعم المجتمعات لإدارة خلافاتها ونزاعاتها دون اللجوء الى العنف. 

ونعني بذلك منع اندلاع العنف الذي يمكن ان يبرز بشكل واضح قبل وبعد واثناء النزاعات، وتصاعدها وتكرارها واستمرارها.

 هذا ما يعد معالجة طويلة المدى لما تنطوي عليه من تغييرات في المواقف، والسلوكيات، والأعراف، والمؤسسات.

 ولأنه في معظم الأحيان يرتبط مفهوم الحرب بمفهوم السلم، قد نعتقد للوهلة الأولى ان المفهومين لا ينفصلان عن بعضهما البعض البتة، وذلك باعتبار ان الواحد منهما يعتمد قي وجوده وتأسيسه على الآخر. أي انه لا يمكن الخروج من حالة السلم إلاّ بالدخول الى حالة الحرب، ولا يمكن مغادرة الحرب إلاّ بالاتفاق على شروط السلم، ولكن في الحقيقة التي تقرها الفلسفة كما قال روسو ان الخروج من السلم لا يصل دائما الى الحرب، بل يمكن الدخول بحالة من الفوضى والاضطراب بحياة الناس دون الوصول الى الحرب. 

كما ان الحرب في الفكر الفلسفي اليوناني، انه ليس دائما خروجا من السلم، بل هو تكريس وتأكيد لفخر الشجاعة والبطولة.

 ورغم هذه الاستثناءات للترابط بين الحرب والسلم فان الدافع يبقى واحدا لكل منهما، وهي المكونات التي تقف خلف هذا الحرب او ذلك السلم. ولان السلم لا يتحقق الا بالوعي والرضى والمحبة والقناعة والسلام الداخلي ... وهي أمور لا يمكن تحقيقها على المستوى العام فتبقى ظاهرة السلم والسلام الذاتي هي ظاهرة فردية، اما السلم والسلام الجماعي فإنه يحتاج لحلول جذرية للمشاكل القائمة بين الفرقاء المتنازعين وإعطاء كل ذي حق حقه دون تمكين الأقوى من فرض شروطه على الأضعف او ان يترك حتى يحقق اطماعه ويسرق الثروات وينتهك الحرمات ويقتل الأطفال والعجزة والامهات ثم يطالب بالسلام ،  وفي هذه الحالة فإن الفعل سيولّد ردة فعل اقوى ويبقى النزاع قائما وفتيل الحرب مشتعلا . 

وعليه وحتى يتحقق السلام العالمي بين الفرقاء المتنازعة يجب على المنظمات الدولية المسؤولة عن إحلال الامن والسلم العالمي، ان تقوم بكل موضوعية وجدية وايمان مطلق بالسلام، وتعمل على حل الخلافات بإزالة أسبابها وإعطاء الحق لأصحابه والزام المعتدي والمتسلط والمستقوي بقدراته العسكرية بالتعويض على الدول المعتدى عليها، وإعادة هيبتها ومصداقيتها امام شعبها وامام الاسرة الدولية. 

 وعلى هذه المنظمات الدولية والجمعيات المحلية ان تنشر ثقافة السلام والتربية الصالحة التي توجه الإنسانية نحو الخير وتكرّس في قلبها المحبة وفي رأسها الضمير لتتغلّب في النفس التقوى على الفجور لتفلح كل البشرية وتنال السعادة والطمأنينة عوض ان تخيب ان زكت الشرّ والفجور. وحتى على مستوى العقاب الدنيوي يقول المثل الشعبي: على الباغي تدور الدوائر.. 

  كما يقول: إن العدل أقلُّ تكلفة من الظلم، والأمن أقلّ تكلفة من الحرب. 

وفي النهاية نقول بان المصيبة ليست في الظلم والحروب التي يتسبب بها الأشرار، بل في صمت المسالمين الاخيار الذين يشهدون على الظلم والحروب ولا يحاسبون من يعتدي. إذ على كلّ حرّ وصاحب ضمير ان يقول كلمته بجرأة وصدق حتى لا يقوم مقام شاهد الزور، فيرتاح الشر ويغرس جذوره بعمق في التراب، كما ترتفع اغصانه عالياً في الفضاء كالمارد الجلمود المتكبر المتجبر الذي لا يقف عند حد، ولا يحسب حساباً لأحد. 

المراجع

-القاموس العلمي للقانون الإنساني للحرب.

 - القرآن الكريم. 

- الموسوعة القرآنية. 

- موقع الرئيسة الالكتروني- اقوال وحكم عن الظلم.

 - مفهوم الحرب في الفلسفة السياسية- جزيرة نت 

- كتاب المنظمات الدولية ودورها في تحقيق السلام -المكتبة القانونية الدولية.