القطاع العام اللبناني...والقضاء و....غادة

كتب طارق اسماعيل في "درج":

موظفو الفئة الأولى الجالسون وراء مكاتبهم هم بالضرورة تركة ثقيلة متناسلة من ثقل “السوبر” سياسيين على كاهلنا، وهذا ادعاء لا يحتاج براءة اكتشاف من أحد، فمراجعة سريعة لتعيينات هذه الفئة في مرافق الدولة تتكفل بالإشارة إلى المُعيَّن والمُعيِّن، وهو تعيين يخضع بفجاجة للولاء السياسي والطائفي.

وتقصُّد الإشارة إلى هذه الفئة دون سواها، لا يعفي أنَّ سُلَّم الفئات الأدنى هو صورة مكررة عنها، صورة تنسحب حتى على أدنى الوظائف العامة. 

وحيث أن القضاء اللبناني راهناً هو الحدث، فلا بأس من التذكير بأن الطوائف الكبرى وأحزابها تتقاسم المراكز القضائية التي تتخذ صفة الإدعاء، فتصير النيابة العامة التمييزية للسنة، ولـ”تيار المستقبل” الوصاية السياسية عليها، فيما النيابة العامة المالية حصة شيعية، والوصاية لـ”حركة أمل”، ويلامس الموارنة قضاءنا من بابي المجلس العدلي ومجلس القضاء الأعلى، وحين ينفرد نظام ديموقراطي بوجود محكمة عسكرية، يكون لبنان هذا البلد وتذهب رئاسة هذه المحكمة للشيعة ويصير “حزب الله” ولياً على أحكامها.


ما تقدم، على سرديته المعروفة، هو مدخل لفهم التصدع الذي يضرب القضاء اللبناني بما هو انعكاس للتصدع السياسي، والذي بالمناسبة يدفع المخيلة أحياناً إلى مقاربة صورته في الأجهزة الأمنية بما هي تنميط للوصايات الطائفية.


لم يكن المدعي العام الاستئنافي في جبل لبنان على هذه الصورة المكثفة في يوميات اللبنانيين، القاضية غادة عون التي تتبوأ المنصب حالياً هي من يُدين لها الموقع بهذه السيامة، فالقاضية التي سماها رئيس الجمهورية بدت منذ دخولها مكتبها اليد التي انتدبها العهد لملاحقة خصومه حين تحتاجها معاركه ضدهم من باب القضاء. 

وهي لم تُقصر في تلبية مطالبه تحديداً أمام خصمين تحت ظل السياسة، حاكم مصرف لبنان رياض سلامة والوزير السابق سليمان فرنجية، حيث الأول يشغل المنصب الذي يراه العهد حصته المصادرة،  فيما الثاني يرتبط بضرب مرشح محتمل لرئاسة الجمهورية التي يصرف ميشال عون حيزاً مهماً من جهده ليكون مآلها للصهر العتيد الذي في غالب الظن هو من يرسم سياق هذا الجهد.عموماً، حين يستأثر الفساد والفاسدون بالعنوان الرئيسي للبنان، تصير كل مبادرة لمواجهته واجباً، وهو ما ثابر عليه مواطنون انتفضوا على السلطة، وخضع كثر منهم لادعاءات غادة عون وملاحقة قضائها كلما اقترب هؤلاء من الغطاء السياسي الذي تستظله، والمفارقة أن الذين تصنع غادة عون بطولاتها اليوم في مواجهتهم هم أنفسهم الذي صدحت حناجر المنتفضين بفسادهم، وهو ما يضع جهدها القضائي أمام قدَر السياسة، ويترك للمرء، وبأسف، هامشاً واسعاً للتفكير بأن مآل هذا الجهد سيندثرعلى الأرجح في زمن نضوج التسويات المنتظرة.


والحال، فإن الأحداث الأخيرة (مداهمات القاضية عون إلى شركة مكتف للصيرفة التي اعتبرت غير قانونية، بمؤازرة حزبيين من التيار الوطني الحر)، تشي بأن القضاء سيبقى عاجزاً عن إقامة حده أمام السياسة. في المقابل، البيان الذي سطره مجلس القضاء الأعلى محاولاً فيه إبعاد السياسة من فصول الحدث من خلال الإشارة الى تيارين من باب العزل بين السياسة والقضاء، وشى أكثر بوصاية السياسة على كل ما يحصل، ثم تتكثف هذه الوصاية حين تكفل جهاز أمني محسوب على مرجعية النائب العام الاستئنافي غسان منيف عويدات بفض التظاهرة العونية أمام مكاتب ميشال مكتف للصيرفة، والتي، وليست مصادفة، أن القاضية عون باشرت مداهمتها الأولى للمكتب برفقة جهاز أمني آخر محسوب على العهد، من دون أن ننسى أنها حضرت إلى متاهتها القضائية سالكةً “طريق النحل” مع النموذج الأكثر رداءةً عن وصوليي الثورة التي ما انفكت عون والنماذج الذين يشبهونها يلاحقون نشطاءها الحقيقيين.