لغة الأطفال ،،، 🍂 - الدكتور عماد الاعور


هل لغة الأطفال مجرّد وسيلة للتّواصل؟ لا، هي حالة وجوديّة، إنّها لغة نقيّة خالية من التّعقيد، تخرج من الفطرة الأولى حيث لم تلوّث المصالح بريق المشاعر، ولم تُحاصر الكلمات داخل أسوار الحسابات. 

إنّهم يتحدّثون بنافذة الرّوح، بلغة الإيماءة والنّظرة والابتسامة، بلغة الأنفاس الّتي تُحسّ ولا تُفسّر، بلغة أقرب إلى جوهر الوجود، حيث تكون الكلمة انعكاسًا مباشرًا لما في القلب، لا ظلًّا لمصلحة أو وسيلة لغاية.
عندما يتكلّم الطّفل، لا يختار كلماته بعناية لاستمالة الآخر، ولا ينطق بما يُرضي أو يوافق حسابات القوّة والضّعف. 

إنّه يتحدّث بلغة كونيّة، لغة الحبّ الخام، الحبّ الّذي يسبق كلّ تعريفات الفلسفة واللّغة. 

إنّه الحبّ في صورته البدائيّة الأولى، كما لو كان ما قبل اللّغة، وما قبل الانقسام، وما قبل التّاريخ.
لكن لماذا نفقد هذه اللّغة كلّما كبرنا؟ لأنّ الإنسان عندما ينمو، يدخل في عالم يملؤه الصّراع والتّفاوض، عالم تصبح فيه الكلمات أدوات، تُستخدم للإقناع، للتّأثير، للمراوغة، وأحيانًا للخداع. 

يكتشف الإنسان أنّ اللّغة ما هي فقط وسيلة تعبير، إنّما سلاح دفاع وهجوم، حصن يحتمي به، أو فخّ ينصبه. وهكذا، تبتعد اللّغة عن كونها امتدادًا للرّوح، وتصبح قناعًا للذّات، تتلوّن حسب الحاجة.
مع الأطفال، نسقط هذه الأقنعة. معهم لا نخشى أن نظهر كما نحن، لأنّهم لا يحاسبوننا، لا يضعوننا في قوالب، ولا يطلبون منّا أن نكون شيئًا غير ما نحن عليه. ولهذا، عندما نحادثهم، لا ننتقي كلماتنا، بل تخرج من القلب مباشرة، تخرج نفسًا دافئًا، لا صوتًا مصقولًا، تخرج بلغة الحنين، الحنين إلى ما كنّا عليه قبل أن نُثقّل بتعقيدات الحياة.
هذه اللّغة، في جوهرها، هي لغة المحبّة. إنّها اللّغة الّتي تعيدنا إلى صورتنا الأصليّة، إلى الله فينا. ما ناسوته فكرة مجرّدة، ولا فلسفة عقليّة، بل هو المحبّة الصّافية، المحبّة الّتي لا تسأل عن مقابل، ولا تخضع لمنطق الرّبح والخسارة. عندما نتحدّث مع الأطفال، نقترب من هذه الحقيقة، لأنّنا نخرج من لعبة المصالح ونعود إلى جوهر الحبّ.
ربّما لهذا السّبب، قال السّيّد المسيح: «دعوا الأطفال يأتون إليّ، ولا تمنعوهم، فإنّ لمثل هؤلاء ملكوت السّماوات». 

فالأطفال ليسوا فقط صورة البراءة، بل هم باب إلى الحقيقة، إلى الله، إلى تلك اللّغة الّتي كنّا نتكلّم بها قبل أن تتشوّه أنفسنا بكلمات لا تُعبّر عنّا، بل تُعبّر عمّا نريد أن نكونه أمام الآخرين.
أليس هذا هو سرّ الشّوق العميق الّذي نشعر به حين نسمع ضحكة طفل، أو نلمس يده الصّغيرة، أو ننظر في عينيه الخاليتين من الخوف والخبث؟ إنّه الحنين إلى أنفسنا قبل أن تضيع منّا، الحنين إلى لغة لا تحتاج إلى ترجمة، لأنّها لغة الرّوح، والرّوح لا تعرف الكذب.
إن أحببتم بعضكم بعضًا، فتحدّثوا كما يتحدّث الأطفال، بلا خوف، بلا حسابات، بلا أقنعة. اجعلوا كلماتكم نفسًا ينبع من القلب، لا صدى لمصلحة، ولا ظلًّا لهدف. تحدّثوا بالصّدق، بالمحبّة الخالصة، بالنّقاء الّذي يذوب فيه حدود الأنا، حتّى يصبح الصّوت امتدادًا للرّوح، لا وسيلة للتّملّك أو السّيطرة.
فقط لغة الأطفال هي اللّغة الحقيقيّة، ما هي مجرّد كلمات، بل هي طاقة نقية تنبع من جوهر الإنسان قبل أن يتشظّى في عالم التّعقيد والتّكلّف. 

إنّها لغة الجنّة، حيث لا كذب ولا مكر، حيث الحديث امتداد للوجود، لا للغرض. إنّها لغة الله فينا، حيث الحبّ هو الأصل، وكلّ شيء آخر طارئ وزائل.