سوق المحروقات بالمغرب: اختلالات ظرفية أم أزمة بنيوية؟

د. جميلة مرابط

خبيرة في شؤون استراتيجيات وسياسات الطاقة والاستدامة البيئية

رئيسة مجلس الباحثات المتعدد التخصصات بالمغرب


خلال الفترة الأخيرة، لاحظت من خلال متابعتي لسوق المحروقات بالمغرب اضطرابات محدودة في التزويد ببعض المناطق، إلى جانب ارتفاع الأسعار أو ضعف استجابة الأسعار لانخفاضات النفط في الأسواق العالمية. 

ورغم التأكيدات الرسمية على أن المخزون الوطني كافٍ ولا يوجد نقص شامل، فإن هذه الظواهر تكشف عن تحديات أعمق تتجاوز الظرفية وتلقي بظلالها على بنية السوق وآليات تنظيمه.

لا يمكن فصْل الوضع الحالي عن تقلبات الأسعار العالمية للنفط، واضطرابات سلاسل التوريد الدولية، والتأثير المباشر للعوامل المناخية والجيوستراتيجية على حركة النقل البحري. 

لكن، من خلال خبرتي ومتابعتي للسوق الوطني، أرى أن الإشكال لا يقتصر على هذه العوامل الخارجية، بل يتغذى أيضًا من اختلالات داخلية، أبرزها طريقة إدارة السوق بعد تحرير الأسعار. 

فسياسة التحرير انتقلت بالدولة من دور المتدخل المباشر في التسعير إلى دور المنظم والمراقب، غير أن هذا التحول لم يُواكَب بإصلاح حقيقي لبنية السوق، ولم يضمن توفير شروط منافسة فعلية بين الفاعلين الاقتصاديين، بما يحمي القدرة الشرائية للمواطن ويحفز تحرك السوق الطبيعي.

سوق المحروقات المغربي يندرج ضمن ما يُعرف بالأسواق شبه الاحتكارية، حيث تسيطر قلة من الشركات الكبرى على الاستيراد والتخزين والتوزيع، ما يضعف المنافسة السعرية ويجعل آلية العرض والطلب عاجزة عن لعب دورها الطبيعي. يظهر هذا بوضوح في ضعف انعكاس انخفاض الأسعار الدولية على أسعار الوقود المحلية، بينما تتفاعل الأسعار بسرعة مع الارتفاعات، كما أن الفوارق بين المحطات والعلامات التجارية تبقى محدودة، ما يشير إلى وجود منافسة شكلية تركز على الخدمات الثانوية بدل التنافس الحقيقي على السعر.

الإشكال إذًا ليس في تحرير الأسعار بحد ذاته، بل في تحرير سوق غير تنافسي، حيث غياب آليات صارمة لضبط هوامش الربح يجعل دور المؤسسات الرقابية محدود التأثير أمام قوة الفاعلين المسيطرين على السوق. 

ويزداد الوضع تعقيدًا بسبب غياب مصفاة وطنية لتكرير النفط، الأمر الذي يجعل المغرب معتمدًا بشكل شبه كامل على الاستيراد، ويمنح شركات التوزيع قدرة كبيرة على التحكم في سلسلة القيمة من الموانئ إلى محطات الوقود، كما أن ضعف الاستثمار في التخزين الاستراتيجي يقلل من قدرة الدولة على امتصاص الصدمات أو التفاوض بشأن الأسعار في أوقات الأزمات.

من خلال هذه الرؤية، يصبح واضحًا أن الحلول الظرفية غير كافية، بل يتطلب الأمر إصلاحًا هيكليًا مستدامًا، مع اعتماد عدة محاور: تعزيز المنافسة الفعلية عبر تسهيل دخول فاعلين جدد للسوق ومراجعة شروط الاستيراد والتخزين، تقوية الدور الرقابي لمؤسسات الحكامة، وعلى رأسها مجلس المنافسة، لضبط هوامش الربح، وإعادة النظر في البنية الصناعية للقطاع عبر دراسة جدوى إعادة التكرير أو تطوير حلول صناعية وطنية تقلل التبعية الخارجية وتعزز السيادة الطاقية. 

كما أن الانتقال الطاقي لا يمكن تأجيله، من خلال تقليص الاعتماد البنيوي على المحروقات عبر الاستثمار في الطاقات المتجددة، وتعزيز النجعة الطاقية، وتطوير النقل المستدام، بما يخفف الضغط على سوق الوقود ويعزز العدالة الطاقية ويقلل من هشاشة المواطنين أمام تقلبات الأسعار.

ما يعيشه المغرب اليوم في سوق المحروقات ليس مجرد اضطراب عابر، بل مؤشر على اختلالات بنيوية تستدعي إصلاحًا عميقًا وشجاعًا. 

فالقدرة على ضمان الأمن الطاقي والعدالة الاجتماعية لا يمكن تحقيقها بسوق محرر شكليًا ومغلق تنافسيًا، بل عبر سياسات عامة متكاملة تجعل من الطاقة رافعة للتنمية وليس عبئًا إضافيًا على المواطن.