العابرون ،،، 🍂- الدكتور عماد الاعور


حِمْلًا على أجنحة الوعي، وتوقًا إلى مبدأ العقل، إنّها مناجاةُ مَن سكنوا عتبة السُّؤال، وساروا في دروب العبور إلى النّور.
يا مَن أنت علّة الوجود، وسرّ الانبثاق الأوّل، ندعوك بضعفنا وبظاهر قوّتنا، وبفقرنا إليك وغِنانا بك، وبجهلنا وبعلمنا بما شئت، ندعوك وأرواحُنا عاريةٌ إلّا من شوقها إليك، وعقولُنا عطشى إلّا إلى فيضك…
يا أرحم الرّاحمين، يا مَن وسعت رحمتك مَن لم يعرفك، وسبق حلمك جهلَ السّالكين، نحن أنقاضُ إدراكٍ يتلمّس الحقيقة، وأشباحُ معرفةٍ تتوق إلى النّور الأوّل.
نُبصر بك، وبنعمتك في أبصارنا، ونعي بك، بانضباط جوارحنا وحواسّنا، ونرجو أن تمسّ روحَنا إشراقةٌ من عقلك الأزليّ، فنفيق من غفلة الحواسّ، إلى يقظة العقل المُحبّ.
نحن عابرون في مجاهل أعمارنا، نحمل أوجاع الأسئلة، ونتلمّس بخيوط روحنا طريق العودة، تحت رياح الهوى، وفي ظلمات الأنا.
فلا تجعلنا حجابًا لأنفسنا، ولا فتنةً لقلوبنا، ولا ستارًا يحجبنا عن شهود وجهك.
يا مَن إليه المنتهى، اجعل من وعينا سلّمًا إليك، ومن جراحنا محرابًا يتنزّل فيه لطفك، ومن ضعفنا طريقًا إلى شهودك.
علّمنا أنّ الحبّ ليس تملّكًا، ولا تعلّقًا زائفًا، بل فناءً في نورك، وذوبانًا في رحمتك، وتجلّيًا في عقلك الحقّ.
اجعلنا نحبّ كما تحبّ، بلا هوى، بلا قيد، بلا أنانيّة، بل بعقلٍ مستنيرٍ بك، بعقلٍ متّصلٍ بعقلك الأعلى، بعقلٍ هو تجلٍّ من فيضك الأوّل.
يا مَن لا يحجبه حجاب، ولا يحدّه مكان، ولا يطويه زمان، طهّر قلوبنا من كلّ ما سواك، وأفرغها من زحام الصُّور، وزيّنها بنور التّواضع، حتّى تكون مرآةً لوجهك، وصدىً لحكمتك.
افتح لنا أبواب الفجر في داخلنا، قبل أن نشهد النّور في آفاقنا، وأنر ليل أرواحنا بيقينك، بفناء أنفسنا بك وحدك.
وإذا سقطنا، فارفعنا برحمتك، وإذا تهنا، فردّنا بحلمك، وإذا ضاقت علينا دروبنا، فوسّعها بلطفك.
يا أنيس الوحدة، ونور الظُّلمة، ودليل السّائرين، ونهاية العابرين، اجعلنا نسير إليك سعيَ المُحبّين، وسعيَ العارفين، وسعيَ العبوديّة الحرّة.
يا مُعلِي أوّل كلّ شيء، وآخر كلّ كمال، اصبغ أعمالنا بنور رضاك، وأفكارنا بنقاء توحيدك، وأرواحنا بجمال قربك.
سبحانك، اهدِنا حقّ عبادتك، وأطعمنا حقّ شكرك،وعرّفنا بمعرفتك كما ينبغي لِمَن عرف أن يتعرّف.
فاغفر بجهلنا، وارحمنا بلطيف علمك، واسلك بنا طريقًا لا ينطفئ، طريق الحقّ، والحبّ، والوعي، والنّور.