العدالة الاجتماعية في زمن الانهيار…حين تتفاوت المعاناة ويغيب الإنصاف

رئيسة المجلة

 Opine Digest الالكترونية

رئيسة الهيئة اللبنانية للعقارات

وناشطة حقوقية وإجتماعية

المحامية أنديرا الزهيري

تُعدّ العدالة الاجتماعية أحد المبادئ الأساسية المحمية في الشرعات الدولية، ولا سيّما في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما هي مصانة أيضاً في الدساتير الوطنية التي يلتزم بها لبنان.

نجد أنفسنا اليوم في زمن الأزمات والانهيارات الكبرى التي تطال شريحة واسعة من المواطنين على إمتداد الوطن، إلا أنّ آثارها لا تتوزّع بالتساوي في ما بينهم. فالضرر يبدو متفاوتاً بين من يمتلك القدرة على الصمود، ومن يُترك وحيداً في مواجهة الانهيار، في ظل واقع إقتصادي ومعيشي يزداد قسوة ويختلف بحسب الفئات المجتمعية.

ونذكر هنا، على سبيل المثال لا الحصر: رواتب الموظفين التي فقدت قدرتها الشرائية، تعويضات المتقاعدين، أوضاع المالكين القدامى، أموال المودعين، إزدياد معدلات البطالة، العنف الأسري، الأعباء المتزايدة على النساء داخل الأسرة والمجتمع، أزمات السكن وإعادة الإعمار، وغيرها. 

وكل هذه العوامل تُنتج تفاوتاً في المعاناة، وتُظهر خللاًَ بنيوياً في منظومة الحماية الاجتماعية.

للأسف، يتأرجح مفهوم العدالة الاجتماعية بين الغائب والمغيَّب، سواء بفعل مقصود أو غير مقصود، نتيجة عوامل مباشرة وغير مباشرة، إلا أن النتيجة واحدة، إذ تنعكس سلباً على حماية الكرامة الإنسانية وفرص العيش الكريم واللائق، وعلى الوصول إلى الخدمات الإنسانية والاستشفائية والتربوية، ودعم ذوي الدخل المحدود وما دون، وتأمين فرص داعمة للفئات المتوسطة وما دونها.

ويبدأ ذلك من سياسات ضريبية عادلة وإعفاءات مدروسة، وتأمين خدمات اجتماعية مدعومة تحت إشراف رقابي محمي من الهدر والفساد، إضافة إلى وضع خطة إسكانية داعمة، تشمل تفعيل قانون الإيجار التملكي، وإنشاء وحدات سكنية تتناسب مع القدرة الشرائية لمختلف الفئات، الشبابية وغير الشبابية. 

كما يندرج ضمن ذلك تخفيف الأعباء عن المالكين القدامى، من خلال الدعم عبر الإعفاءات الضريبية، وتسهيل القروض وتيسيرها، بما يتيح إعادة ترميم الأبنية وتدعيمها للحد من مخاطر الانهيار.

وتُعدّ هذه الإجراءات فرصة لتحريك الاقتصاد ودعم التنمية، عبر تشغيل دائري وفعّال لليد العاملة والمصانع والشركات والأفراد. 

هذا من دون التوسّع في ملف أموال المودعين، الذي يُشكّل بحدّ ذاته قضية محورية تحتاج إلى معالجة مستقلة وشاملة.

ومن هنا، نؤكد أنّ كل ما ذُكر لا يمكن تطبيقه أو الالتزام به ما لم يُترجم في إطار قانوني ملزم، يمنع إنتهاك الحقوق، ويُفضي إلى اتخاذ إجراءات تشريعية وإدارية ومالية داعمة، في ظل غياب السياسات العامة التي تضمن الحق في مستوى معيشي لائق، وأجر عادل، وضمان إجتماعي، وصحة، وتعليم، من دون تقاعس أو إهمال أو غياب للرقابة، بما يحدّ من إلحاق الضرر بهذه الفئات المجتمعية.

كما لم يعد مقبولًا أن يبقى دور الدولة غائباً أو مهمَّشاً. 

إذ تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة الثقة بدورها، من خلال المبادرة إلى الإصلاحات، وتفعيل المحاسبة، والحد من الفساد والهدر، وبسط سيادتها، وتطبيق القانون. فأي إصلاح اجتماعي أو اقتصادي يبقى ناقصاً ما لم يُرافق بإطار قانوني واضح يضمن الشفافية والمساءلة وإسترداد الحقوق.

فإستقرار المجتمعات لا يُقاس بحجم إقتصادها، بل بقدرتها على حماية أضعف أفرادها. ولا يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية، وهي شرط أساسي للبقاء والإنصاف، باعتبارها ليست ترفاً اجتماعياً، بل واجباً وطنياً وإنسانياً بحتاً.

@جميع الحقوق محفوظة