جِسْمٌ وَجَسَدٌ ،،،  🍂 - الدكتور عماد الاعور


في أُفُقٍ يَتَّسِعُ للسؤال قبل الجواب، وفي مساحةٍ يَتَعانق فيها الطّين مع السِّرّ، نقف أمام لفظتين تحملان أثقل ما في الإنسان وألطفه: الجِسْم والجَسَد.لفظتان تتشابهان في السَّمع، وتفترقان في المعنى، كما يتشابه الظّلّ والنور في الصّورة ويختلفان في الأثر.الجِسْم هو حضور الشَّيء في الحيّز، 

أمّا الجَسَد فهو قابليّة الحضور لما يتجلّى.الجِسْم يُقاس ويُحدّ، والجَسَد يُدرَك ويُصقَل.الجِسْم ينتسب إلى الكثافة، والجَسَد ينفتح على اللّطافة.
في أوّل تفكّر الإنسان، كان النَّظر إلى العالم نظر تعجّب، وكان السّؤال الأوّل: كيف صار المعنى شكلًا، وكيف لبس النّور ثوب المادّة؟ هنا، وُلدت الفلسفة كحاجة لفهم العلاقة بين الجِسْم وما يتخلّله من سرّ.عند اليونان، كان العقل يُسمّي الأشياء ليفهمها. 

قالوا بالهيولى والصّورة، ورأوا أنّ المادّة تنتظر معنى يتشكّل فيها. فكان الجِسْم هو المعنى عندما يقبل الأبعاد، ويُصبح قابلًا للتعيّن. وفي هذا الفهم، أضحى الجِسْم جسرًا بين الفكر والعين، وبين العقل والمشهد.
أمّا أفلاطون، فرأى أنّ ما نراه من أجسام ما هو إلّا ظلّ لحقائق أعلى، وأنّ الجِسْم يحمل شبهًا بالمصدر دون أن يحتويه. 

فصار الجِسْم دليلًا، وصار الجَسَد إمكانًا، وصار الإنسان واقفًا بين الصّورة والمعنى، يتعلّم أن يرى فيما يُبصر أثر ما لا يُرى.
ثمّ جاءت الحكمة الهِرْمسيّة، فنقلت السؤال من الشَّكل إلى السِّرّ، ومن المظهر إلى التّوافق. لم يعد الجِسْم مجرّد كتلة، بل صار تكثيفًا لنور، وصار الجَسَد مرآةً ينعكس فيها الأعلى في الأدنى. 

فالإنسان في هذا المنظور عالم صغير، تتجمّع فيه خطوط العالم الكبير.
الجِسْم هو النّور عندما يقبل الثِّقل، والجَسَد هو الثِّقل عندما يقبل النّور. فكلّ جسد لم يُنِره المعنى يبقى هيكلًا، وكلّ جِسْم سكنته الرُّوح يتحوّل إلى آية.

وعند أهل الذّوق والشّهود، يبلغ الفرق بين الجِسْم والجَسَد ذروته. 

فالجِسْم هو ما تحمله الأنا من ثِقل وتعلّق، والجَسَد هو ما يتّسع للتجلّي عندما تصفو النّيّة ويسكن القلب.

هنا، لا يكون الجَسَد محلّ شهوة، بل محراب حضور، ولا يكون الجِسْم عائقًا، بل مجالًا للترقّي.يتحوّل الجَسَد عندهم إلى أداة شهود، تخدم المعنى ولا تنافسه. فكلّ حركة فيه تذكير، وكلّ سكون فيه ذكرى. 

وهنا يُفهم أنّ الجِسْم يفنى إذا انقطع عن النّور، وأنّ الجَسَد يبقى ما دام موصولًا بالمعنى.
يا سائلًا عن الفرق، اعلم أنّ الجِسْم يولد من التّجمّع، وأنّ الجَسَد يولد من القبول. الجِسْم يقول: ها أنا هنا. والجَسَد يقول: ها أنا أستقبل. 

فبقدر ما يتّسع الجَسَد للنور، يخفّ الجِسْم، وبقدر ما يغلب الثِّقل، يُغلق باب الشّهود.
الإنسان بين هذين القطبين، يتعلّم أن يكون جَسَدًا حيًّا، لا جِسْمًا صاخبًا. يتعلّم أن يحمل المادّة دون أن تحمله، وأن يسكن العالم دون أن يسجنه.وهنا يتجلّى المقصد اليقيني: أن يكون الجَسَد موضع أمانة، وأن يكون الجِسْم خادمًا للمعنى، وأن يبقى الإنسان برزخًا حيًّا، يجمع بين الأرض والسّماء دون انقسام.
فطوبى لمن عرف جِسْمَه فلم يتعلّق به، وطوبى لمن صقل جَسَدَه حتّى صار مرآة، وطوبى لمن جعل حضوره في العالم ذكرًا، وحركته شهادة، ووجوده عبادة صامتة.
الجِسْم حدود، والجَسَد أفق، والإنسان له أن يسكن الأفق دون أن ينسى الحدود.