حين يُخطئ الربيع موعده -الكاتبة إيمان أبو شاهين يوسف

الكاتية والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف

نجلاء، شابة نشيطة ، تحب عملها وتقوم به بإتقان وانتظام،في كلِّ صباح، تتوجه الى عملها وكأنها في  طريقها الى جنة الأحلام. 

تدخل مكتبها، تجلس خلف طاولة خشبية كبيرة، ترتِّب الأوراق بعناية مبالغ فيها، ثم تكتب قائمة بكل ما هو مطلوب منها تنفيذه لهذا اليوم، بعد ذلك تأخذ سماعة الهاتف تطلب فنجان قهوة، تزيح ستار نافذتها التي تشرف على منظر طبيعي رائع ، ثمّ تتنهد بأمل  وهي ترتشف قهوتها وتقول :  " حين أتقاعد سأعيش الحياة حقاً " هذه العبارة كانت ترددها كلّ يوم، كما يردد الناس صلواتهم، حتى صارت الجملة تعويذة تسكن بين أنفاسها. 

كانت تظن أن السعادة مؤجلة، وأن المتعة الحقيقية تبدأ بعد التقاعد، حين تتحرّر من المواعيد والتقارير والأوامر. 

نجلاء لم تكن تلاحظ أن الأشجار خارج نافذتها تبدِّل أوراقها كل عام، وأن الشمس تغيِّر لونها كلَّ صباح ، وأن الزملاء الذين يملأون الممرات يغادرون واحداً تلو الآخر مثل أوراق الخريف. 

كانت تعيش كلّ يوم كأنه نسخة رمادية من الذي سبقه، تؤجل الفرح حتى إشعار آخر. مرَّت السنوات كغيوم  من دون أسماء، وفي كلِّ سنة كانت نجلاء تشتري فستاناً مميزاً تضيفه الى المجموعة التي تعدّها لفترة التقاعد،كما وتجمع صور الجبال والوديان وكل موقع جميل في هذه الأرض ليكون مسرحا للزيارة والتمتع. 

سنة تأتي، وسنة تمضي ونجلاء على حالها. وحين أُعْلِنَت  قائمة المتقاعدين في أحد الأيام ، وقفت نجلاء أمامها بذهول وشرود تقرأ إسمها ببرود شديد، وكأنها تقرأ إسم امرأة لا تعرفها.  

في تلك اللحظة فقط رفعت  نجلاء رأسها نحو النافذة  لتجد  الشجرة التي  كانت تراها منذ أربعين سنة قد كبُرَت، وغصنها الذي كان يلمس الزجاج صار بعيداً عن متناولها.

أما وجهها الذي كان يظهر في الزجاج فكان أقرب الى فصل أُنتهى قبل ان يزهر، ولا يزال يحتفظ بسرّالزهور. تأملت نجلاء عينيها طويلاً، ذلك الشحوب الخفيف في نظراتها، لم يكن حزناً صريحاً، بل تعباً راكمه الوقت بهدوء شديد، تعبُ من اعتاد أن يؤجل نفسه. 

وحول عينيها كانت خطوط رفيعة قد استقرت بلا استئذان، لا تشي بالعمر قدر ما تفضح الانتظار، كلّ خطٍّ منها يشبه موعداً لم يأت، أو فرحاً أرجئ حتى نسي الطريق. في ملامحها فتورٌ لا يخلو من ، تعابير وجهها هادئة أكثر مما يجب، كأن الوجه تعلَّم طويلاً كيف لا يطلب الكثير، وكيف لا يُفاجأ. حتى النضارة  لم تختف تماماً، بل انكسرت مثل ضوء مرّ عبر زمن من الغياب. لا يزال موجوداً، لكنه فقد حدّته الأولى. 

أدارت نجلاء وجهها قليلا، كأنها تحاول أن ترى ما بقي منها، لا ما أخذه الزمان. تنهدت بعمق ، فتحت باب مكتبها ، حملت حقيبتها وخرجت بثقل وفتور وكأنها تحمل أعباء عادة طويلة. 

لا حزن صريح ولا فرح، فقط فراغ خفيف أخذ يتسع في صدرها مع كل خطوة.  مضت نجلاء دون أن تلتفت الى الوراء ، خافت إن نظرت خلفها أن ترى السنوات وهي تلوِّح لها بتعب وصمت. 

قادتها قدماها الى الحديقة القريبة، جلست على مقعد خشبي أنهكه الإنتظار مثلها. كان الربيع في أوجه، الأشجار مزهرة، والضحكات تمرُّ قريبة، لكنها شعرت أنها وصلت متأخرة الى هذا المشهد الذي لا دور لها فيه. 

هناك، فهمت أخيراً ما فعله الوقت بها. فهو لم يسرق عمرها دفعة واحدة، بل أخذه منها قطرة قطرة، بين صباحات العمل المزدحمة، ومساءات التأجيل ووعد دائم بأن الفرح سيأتي لاحقاً... بعد أن تنتهي ، بعد أن ترتاح ، وبعد أن تتقاعد. كانت تظنُّ بأنها تُمْسِك بالزمن حين ترتبه وتقسمه الى ساعات، وتؤجل الربيع الى حين "أنسب ". 

ولم تُدرك إلاّ الآن أنها كانت تؤجل الحياة نفسها، وأن الربيع لا يُدار بالخطط، ولا يَنْتَظِر من يُكمِّل شتاءه أولاً. 

في هذه اللحظة مرَّت نِسمة دافئة، لا مست وجه نجلاء كما لو كانت تعرفه من زمن بعيد. 

أغمضت نجلاء عينيها لحظة، بحثاً عن شعور قديم نَسِيَ طريقه الى القلب. 

وحين فتحتهما، لم تجد سوى أسى ناعم، لا يبكي... بل يبتسم بتعب. 

إنحنت قليلاً، ونظرت إلى ظلِّها الممتد على الأرض، وهمست لنفسها كمن يواسي قلباً متعب: " إنتظرت كثيراً..." " ظننت أن الربيع يعرف الطريق وحده." ثمّ ابتسمت بحزن خفيّ، وتركت الاعتراف يذوب بين أنفاسها: "حين يُخطىء الربيع  موعده".