فِي الحُبّ ،،،،  🍂- الدكتور عماد الاعور


الـحُبُّ سرٌّ نورانيٌّ أزليٌّ، يحضرُ في كيانِ الإِنْسانِ قبلَ أن يتشكّلَ له اسمٌ، ويسكنُ الأعماقَ قبلَ أن يظهرَ في لفظٍ. هو نبضُ الـفُؤادِ حينَ يصحو، وصفاءُ الـرُّوحِ حينَ تعودُ إلى أصلِها الأوَّلِ. يقفُ الإِنْسانُ أمامَ الـحُبِّ وقفةَ تواضعٍ، يشعرُ فيها أنّ هذا الـمَعْنى أوسعُ مِنَ الإِحاطَةِ، وألطفُ مِنْ أن يُقيَّدَ بعبارةٍ. يتجلَّى الـحُبُّ نوراً هادئاً، ينسابُ في الـدَّاخِلِ، فيعيدُ ترتيبَ الـرُّؤْيَةِ، ويهذّبُ الإِحْساسَ، ويقيمُ ميزانَ الـمَعْنى.
كثيرون يتداولونَ اسمَ الـحُبِّ في الأحاديثِ، ويستدعونَه في الأَحْلامِ، ويزيّنونَه بِـالـصُّوَرِ، غيرَ أنّ الـحُبَّ في جوهرِه حالٌ يُعاشُ قبلَ أن يُقالَ. هو سكينةٌ تستقرُّ في الـفُؤادِ حينَ تصفو الـنِّيَّةُ، وحضورٌ يتكشّفُ حينَ يلتقي الـصِّدْقُ بِـالإِخْلاصِ. عندَها يغدو الـحُبُّ طريقاً، ويصيرُ ميزاناً، ويتحوّلُ إلى نورٍ يقوّمُ الـسُّلُوكَ، ويهدي الاخْتِيارَ، ويجعلُ الإِنْسانَ أكثرَ قُرْباً مِنْ ذاتِه الـنَّقِيَّةِ.
الـحُبُّ نقاءٌ يتحرّرُ مِنْ تشوُّشِ الـمَقاصِدِ، وطُهرٌ يسكنُ الـنَّوايا الـصَّادِقَةِ. يألفُ الـقُلُوبَ الَّتي تفهمُ الـعَطاءَ مقاماً، وتُدركُ الأمانةَ معنىً. في هذهِ الـقُلُوبِ يجدُ الـحُبُّ مسكنَه، ويغرسُ جُذُورَه، ويثمرُ طُمأنينةً واتّساعاً. الـقُلُوبُ الـمُثْقَلَةُ بِـالـحِساباتِ الـضَّيِّقَةِ تعجزُ عَنْ حَمْلِ هذا الـسِّرِّ، لأنّ الـحُبَّ يحتاجُ فُسْحَةً داخليَّةً، ورحابةً نفسيَّةً، واستعداداً صادقاً لِـلْـبَذْلِ.
يتشابهُ الـنَّاسُ في الـظّاهِرِ، وقد يتقاربونَ في الـمَشاعِرِ، غيرَ أنّ الـنَّوايا تَرْسُمُ الـفُرُوقَ الـعَمِيقَةَ. هناكَ نُفُوسٌ تُقدّمُ الـحُبَّ كلاماً، ونُفُوسٌ تجعلُه موقفاً، ونُفُوسٌ تحملُه عهداً حيّاً بِـالـوَفاءِ. الـقُلُوبُ الـصَّافِيَةُ تعرفُ أنّ الـحُبَّ كلَّما انفتحَ على الـعَطاءِ ازدادَ نوراً، وكلَّما اقترنَ بِـالإِخْلاصِ ازدادَ رُسُوخاً. هكذا يصبحُ الـحُبُّ رسالةً تُتَرْجَمُ في الـفِعْلِ قبلَ الـخِطابِ، وفي الـسُّلُوكِ قبلَ الـوَصْفِ.
الـحُبُّ حضورٌ صامتٌ ينطقُ بِـالأَفْعالِ، ووعدٌ مُتجسّدٌ في الـمُعامَلَةِ. يتجلَّى في الـتَّضْحِيَةِ، ويكبرُ في الاحْتِرامِ، وينضجُ حينَ يستقرُّ في الـوَعْيِ أنّ الـجَمالَ الـحَقِيقيَّ يسكنُ الـتَّقْدِيرَ وَالـحِفْظَ. عندَ هذا الـفَهْمِ ترتقي الـعَلاقاتُ مِنْ ضيقِ الـتَّمَلُّكِ إلى أُفُقِ الأَمانِ، ويصبحُ الـحُبُّ مساراً لِـلـتَّزْكِيَةِ لا مجالاً لِـلاسْتِهْلاكِ.
الـحُبُّ، كأسرارِ الـرُّوحِ، يُحسُّ في عُمْقِ الـكَيانِ. هو نفحةُ نورٍ تُوقظُ الـبَصِيرَةَ، وتُلطّفُ الـحِسَّ، وتفتحُ مَسالِكَ الـسَّلامِ الـدَّاخِلِيِّ. في هذا الـمَقامِ يتحوّلُ الـحُبُّ إلى طريقٍ روحيٍّ، يحملُ الإِنْسانَ مِنْ ضيقِ الأَنا إلى سعةِ الـمَعْنى، ويُقرّبُه مِنْ مَصْدَرِ الـنُّورِ. فاللهُ مَحَبَّةٌ، وكلُّ حُبٍّ صادقٍ أثرٌ مِنْ رحمتِه الـسّارِيَةِ في الـخَلْقِ.
وكما أنّ الـرُّوحَ نفحةٌ إلهيَّةٌ، يكونُ الـحُبُّ نفحةَ تزكيةٍ وارتقاءٍ. حينَ يُحبُّ الإِنْسانُ بصدقٍ، يتّسعُ داخلُه، وينشرحُ فُؤادُه، وتتفتّحُ مداركُه على معانٍ لطيفةٍ مِنَ الـجَمالِ وَالـحِكْمَةِ. يَرى الـعالَمَ بعينٍ أهدأَ، ويلمسُ في الأشياءِ وديعةَ الـمَعْنى، ويشعرُ بأنّ الـوُجُودَ أكثرُ تناغماً. في هذا الأُفُقِ يغدو الـحُبُّ تجلّياً لِـلـرَّحْمَةِ، ومَجرىً للحنان، ومساراً لِـلـغُفْرانِ.
ويبلغُ الـحُبُّ ذُرْوَتَه الـعُلْيا حينَ يكشفُ عَنْ وجْههِ الأَعْظَمِ، فيصيرُ طريقاً لإِدْراكِ اللهِ جَلَّ وعلا. عندَ هذا الـحَدِّ يتجاوزُ الـحُبُّ مَدارَ الـعاطِفَةِ، ويدخلُ مَقامَ الـمَعْرِفَةِ وَالـشُّهُودِ. يصبحُ مفتاحَ الـبَصِيرَةِ، وبوّابةَ الـقُرْبِ، وسُلَّمَ الـرُّوحِ في صعودِها نحو الـحَقِّ. حينَ يتجرّدُ الـحُبُّ مِنْ أثقالِ الأَنا، ويتنقّى مِنْ شوائبِ الـغَرَضِ، يتحوّلُ إلى وعيٍ ساكنٍ، تُدركُ فيه حقيقةُ الـوُجُودِ بسكينةٍ ويقينٍ.
الـحُبُّ في هذا الـمَعْنى مِرْآةٌ ينعكسُ فيها أثرُ الـجَلالِ وَالـجَمالِ. مَنْ سَلَكَ هذا الـطَّرِيقَ أدركَ أنّ الـمَعْرِفَةَ هبةٌ تُفتحُ لِـلـقُلُوبِ الـمُحِبَّةِ، وأنّ الـنُّورَ يتجلَّى حيثُ يستقرُّ الـصِّدْقُ ويُقيمُ الإِخْلاصُ. فَـالـحُبُّ يُربّي الـرُّوحَ حتّى تَقْوى على الـشُّهُودِ، ويُنقّي الـفُؤادَ حتّى يصيرَ قابلاً للتجلّي. وكلُّ اتّساعٍ في الـحُبُّ هو اقترابٌ، وكلُّ صفاءٍ فيهِ هو خُطوةٌ في دَرْبِ الـمَعْرِفَةِ.
هنا يصبحُ الـحُبُّ جوهرَ الـطَّاعَةِ الـواعِيَةِ، ومعنى الـعِبادَةِ الـحَيَّةِ، ومسلكَ الـقُرْبِ الـهادِئِ. مَنْ أحبَّ بنورٍ، سارَ بنورٍ، ومَنْ جعلَ الـحُبَّ طريقَه وجدَ أنّ الـخُطُواتِ كلَّها تقودُ إلى الـحَقِّ، وأنّ الـقِيَمَ الَّتي تنبتُ فيهِ ليسَتْ سِوى آثارٍ لهذا الـقُرْبِ. عندَها يتّحدُ الـنُّورُ بِـالأَدَبِ، وَالـمَعْرِفَةُ بِـالـتَّسْلِيمِ، وَالـوَعْيُ بِـالـسَّكِينَةِ.الـحُبُّ الَّذي يقودُ إلى اللهِ جَلَّ وعلا هو الـحُبُّ الَّذي يُوسّعُ الإِنْسانَ، ويرفعُه مِنْ ضيقِ الـذَّاتِ إلى سعةِ الـشُّهُودِ، ويُعلّمه رؤيةَ الـنُّورِ في الـخَلْقِ، وَالأثرَ في الـكَوْنِ، وَالـحِكْمَةَ في الـتَّدْبِيرِ. مَنْ ذاقَ هذا الـحُبَّ عرفَ أنّه سرٌّ عظيمٌ، وطريقٌ أمينٌ، وعهدٌ نورانيٌّ بينَ الـرُّوحِ وخالقِها.
هكذا يبقى الـحُبُّ أعظمَ مسارٍ للمعرفة، وألطفَ جسرٍ إلى الـحَقِّ، وأقربَ سبيلٍ لإِدْراكِ اللهِ، تعالى عمّا يصفون، إِدراكاً يسكنُ الـفُؤادَ نوراً، ويثمرُ سلوكاً، ويتجلَّى حياةً ممتلئةً بِـالـسَّلامِ وَالـمَعْنى