كيف يسرقنا الهاتف من أنفسنا ؟؟؟

الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين


في البدء لم يكن الهاتف أكثر من نافذة صغيرة نطلّ منها على العالم، بحثاً عن دفء اللقاء، وتوقاً الى صوت يبدّد صمت المسافات. ثمّ ما لبث أن اتّسع سلطانه حتى غمر تفاصيل حياتنا، وتمدّد في أدق لحظاتنا الخاصة  ليبتلع المشهد كله. 

العالم كلّه صار محشوراً في راحة اليد، وراحة اليد صارت مثقلة بهموم القلب، ومنذ تلك اللحظة الغامضة، بدا وكأنّ شيئاً  غريباً يتسرّب من داخلنا : الحضور، التركيز، ثمّ ذلك الإحساس بأننا أحياء حقاً، ليحلّ مكانه تشتت خفي وغياب داخلي لا يُرى، لكنه يُفقِد الذات حضورها. 

نمشي في الشوارع ورؤوسنا منحنية، لا تواضعاً، بل انقياداً لشاشة تسرق أعيننا. نجلس مع من نحب، بينما أيدينا تلاحق حروف الشاشة ، وتتوه في عوالم الظلّ، كأننا نخون اللحظة الحاضرة لصالح صورة مؤجّلة. 

نتحدّث كثيراً، ونسهب في الكلمات كما لو أن الكلام وحده يكفي، ونصغي قليلاً، بالكاد نسمع بعضنا أو نستوعب ما يقوله الآخر. 

نشاهد بلا توقّف، نلاحق الصور والأخبار والحركات، لكننا  نادراً ما نتابع حقاً ما يعنينا، ونحاول فهم الآخرين بينما نحن في غياب عن فهم أنفسنا. قال الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال: " كلّ شقاء الإنسان نابع من عجزه عن الجلوس وحيداً مع ذاته". 

واليوم، لم نعد نحتمل تلك الوحدة، ولا ذلك الصمت اللذان هما باباً للتأمل والتقييم الذاتي. وصرنا نهرب من هذا الهدوء الى الإشعارات المكثفّة ، والتمرير السريع، والإمتلاء الزائف الذي يخلّف وراءه فراغاً عميقا. 

صار الزمن مقطّعاً الى لحظات قصيرة، مبتورة، لا تسمح للفكرة أن تكتمل، ولا للشعور أن ينضج. ننتقل من مشهد الى آخر ، ومن صورة الى أخرى، ومن خبر الى خبر، حتى يتحوّل وعينا الى فسيفساء من الأفكار المبعثرة. 

وفي هذا التبعثر، نفقد القدرة على التمهّل، والإصغاء، والإصلاح البطيء لأرواحنا الممزقة. 

قال الفيلسوف الألماني هايدغر: " ألإنشغال الدائم يُسْقِط الإنسان في قعر الوجود." وهذا السقوط هو ما نعيشه يوميّاً، حين نستبدل عمق التجربة بكثافة المعلومات، وصدق العاطفة بفيض الصور، وحضور اللحظة بضجيج التطبيقات. حتى الألم، لم نعُد نعيشه كما ينبغي. 

صار يؤجل، يُشَتّت، ويُغطّى بمقاطع قصيرة تضحكنا قليلاٍ لكنها لا تشفينا. والفرح، هو الآخر فَقَدَ معناه، لأننا نستعجله ونلتقطه صورة قبل أن يكتمل إحساساً، فنفتقده مرتين: مرّة حين نختصره، ومرّة حين نتركه يمرُّ بلا أثر. 

قال الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه: " من يملك جواب لماذا يعيش، يستطيع ان يحتمل  كيف يعيش". 

غير أن الهاتف سرق منّا هذا " اللماذا"، فأبقانا أسرى " اللكيف": كيف نبدو؟، كيف نُعجب؟، كيف نُشاهَد؟... وهكذا انقلبت الحياة من سؤال عن المعنى الى سباق على الظهور والشهرة. ومع هذا كلّه، لا يزال في داخل كلّ إنسان شوقٌ خفيّ الى استعادة ذاته، شوقٌ الى لحظة صافية بلا شاشة ولا أضواء، إلى جلسة صمت لا يقطعها إشعار، إلى حياة بطيئة بلا محرّك رقمي. 

في تلك اللحظات القليلة، يعود الإحساس العميق بأننا لسنا مجرّد مستخدمين، بل كائنات بشرية تبحث عن معنى، وعن اتصال صادق بالحياة. قال الفيلسوف العربي محي الدين ابن عربي: " السكينة هي موضع تجلّي نور الحق في قلوبنا". 

وفي السكينة وحدها نستعيد ملامحنا التي ضاعت في زحام الصور. هناك فقط يعود الإنسان إلى نفسه، لا كظلٍّ رقمي، بل كحضور كامل مملؤ بالحرية والحركة. وأخيراً ليس المطلوب منا أن نَكسُر الهواتف، بل أن نَكسِر هيمنتها علينا لنستعيد حقّنا في التأمل، والهدوء، والشرود الخلاق الذي يأخذنا الى التجدد والإبداع. وأن نسمح للّحظة أن تكتمل، وللفكرة أن تنضج، دون أن نختصرها بصورة، أو نقطعها بإشعار. 

وحين نستعيد السيطرة على هواتفنا، نغادر عوالم الظل، لنقف مرّة أخرى على أرض الحقيقة التي تنبض في صمت الذات.