لماذا لا يزال مقعد الدراسة غير متكافئ… حين يُترك المعلّم أيضاً بلا دعم؟

الدكتورة  لور عبد الخالق الاعور

 رئيسة لجنة الأدب الرقمي  

في الرابطة العالمية للدفاع عن اللغة العربية


في حيٍّ مكتظّ في بيروت، كما في مدرسة ريفية في إحدى الدول العربية، أو في ضاحية بعيدة في أميركا الشمالية، يجلس أطفال على مقاعد دراسية لا تمنحهم الفرص نفسها. 

قد تختلف الجدران، واللغة، والمناهج، لكن السؤال يبقى واحدًا: هل ما يحصل عليه الطفل من تعليم كافٍ ليمنحه مستقبلًا حقيقيًا؟

وفي لبنان، يضاف سؤال آخر لا يقل إلحاحًا: هل يُمكن للتعليم أن يكون عادلًا حين يُكافح المعلّم نفسه من أجل البقاء؟
في اليوم الدولي للتعليم، لا يبدو الحديث عن التعليم ترفًا فكريًا، بل ضرورة أخلاقية في عالم تتسع فيه الفجوة بين من يملكون المعرفة ومن يُتركون خارجها، وبين من يعلّمون ومن يُطلب منهم أن يفعلوا ذلك بلا مقومات كريمة.
قد يُعتقد أن أزمة التعليم حكر على الدول الفقيرة أو المتأثرة بالنزاعات، لكن الواقع أكثر تعقيدًا. 

ففي دول تعاني من أزمات اقتصادية حادة، كلبنان، لا تقتصر المشكلة على وصول الطالب إلى المدرسة، بل تمتد إلى قدرة المعلّم على الاستمرار في أداء رسالته وسط رواتب متآكلة، وانعدام الاستقرار الوظيفي، وضغط نفسي متزايد.
أما في دول أكثر استقرارًا، فالتحدي يكمن في جودة التعليم وتكافؤ الفرص، وقدرة الأنظمة التعليمية على استيعاب الفئات المهمّشة. 

وفي الحالتين، النتيجة واحدة، تعليم غير عادل يعمّق الفوارق الاجتماعية بدل أن يحدّ منها.
 الحقيقة  هي أنه  حين يُنهك المعلّم، يُنهك الصفّ بأكمله. والحقيقة الثانية أنّ المعلّم في لبنان… ركيزة تُترك وحيدة.
في لبنان، تحوّل المعلّم من صانع معرفة إلى ضحية أزمة متعددة الأبعاد. فبين الهجرة القسرية للكفاءات التعليمية، والإضرابات المتكررة، والتعليم المتقطع، يدفع التلميذ ثمن نظام لم يعد قادرًا على حماية عموده الفقري: المعلّم.
لا يمكن الحديث عن تعليم منصف أو نوعي في ظل معلّم يعمل بأجر لا يوازي كرامته، أو يُطلب منه أن يواكب التحوّل الرقمي من دون تدريب أو بنية تحتية. فالتعليم العادل لا يبدأ بالطالب فقط، بل بضمان حقوق من يقف أمام الطالب.

ورغم التقدّم النسبي، ما زال تعليم الفتيات يتأثر بالفقر، والنزاعات، والهجرة، وحتى بالأزمات الاقتصادية التي تدفع الأسر إلى اتخاذ خيارات قاسية. وفي لبنان، كما في غيره، تتأثر الفتيات بانقطاع التعليم، وبضعف الاستقرار المدرسي، وبغياب الدعم النفسي والاجتماعي.فتعليم الفتيات، كما دعم المعلّمات، ليس قضية ثانوية، بل شرط أساسي لبناء مجتمعات أكثر توازنًا وعدالة.
ومّما لا شك فيه أنّ هناك حلقة مكسورة ما بين التعليم والتنمية! فلا يمكن الحديث عن تنمية مستدامة في عالم يُترك فيه ملايين الأطفال بتعليم هش، ويُترك فيه المعلّمون بلا حماية. 

فالتحديات العالمية، من الأزمات الاقتصادية إلى تغيّر المناخ، تحتاج إلى أجيال قادرة على التفكير النقدي والابتكار، وهذا لا يتحقق إلا عبر نظام تعليمي يحترم المتعلّم والمعلّم معًا.
لقد كشفت الأزمات العالمية، من الجائحة إلى الانهيارات الاقتصادية، هشاشة الأنظمة التعليمية، وفضحت فجوة جديدة،  ليس فقط بين من يملك التكنولوجيا ومن يُحرم منها، بل بين من يُطلب منه التعليم ومن لا يُمنح أدواته الأساسية.
في اليوم الدولي للتعليم، لا يكفي أن نسأل كم مدرسة فتحنا،بل: أي معلّم نحمي؟ وأي طالب نُنقذ؟ وأي مستقبل نُخطّط له؟
فالتعليم ليس خدمة، بل حقّ إنساني ومسؤولية مشتركة.

ومن دون إنصاف المعلّم، لن يكون هناك تعليم عادل،ومن دون تعليم عادل، سيبقى العالم — ولبنان في قلبه — مكانًا غير متكافئ