
الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف
سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يفتح باباً واسعاً على معنى الرجولة ذاته، وعلى ذلك الفارق البسيط بين القوة والقسوة، وبين الصلابة والإنسانية. فالرجولة في جوهرها العميق، ليست صلابة ملامح ولا خشونة صوت، ولا قدرة على المبارزة والغلبة لمجرد المبارزة والغلبة، بل هي حالة من الوعي الأخلاقي، واستعداد دائم لتحمّل المسؤولية دون ادعاء، ومواجهة مصاعب الحياة دون تنكّر للمشاعر.
الرجولة تبدأ من الوعي، ومن ادراك الرجل لذاته ولدوره في هذا الوجود. هي ليست نقيضاً للبكاء، بل نقيضاً للإنكسار أمام الظلم أو التخلي عن الواجب.
الرجل يبكي حين يرى الحق يُسحق ولا قدرة له على حمايته، ويبكي حين يشعر بثقل المسؤولية وما يقابلها من خفة الهروب.
دمعة الرجل ليست ضعفاً بل اعتراف صامت بأن قلبه ما زال حيّا، وأن ضميره لم يتحجّر بعد.
من هنا تأتي التربية الرجولية، هذه التربية التي تعلِّم الطفل ضبط القوة وتوجيهها ، عوض كبت الدموع وقمع الإحساس. التربية الرجولية الحقة لا تقول للصغير: "لا تبكِ لأنك ستصبح رجلاً والرجال لا يبكون."
بل تقول له: " إعرف لماذا تبكي وتعلَّم كيف تقف بعد ذلك."
إنها تربية تعلِّم الصبر دون إذلال، وتعلِّم الشجاعة دون تهوُّر ، وتزرع في النفس معياراً دقيقاً بين الحزم والرحمة.
فالرجل الذي لم يُسمح له أن يشعرفي صغره، يكبر قاسياً أو مكسوراً، أما الذي تعلّم أن يشعر ويضبط مشاعره، فيكبر متوازناً، قادراً على الوقوف دون أن يدوس غيره.
ومع الرجولة تأتي المسؤولية، وهي أصعب ما في الرجولة، وتضمّ: مسؤولية الكلمة، مسؤولية القرار، ومسؤولية الحماية لا السيطرة.
فالرجل الحقيقي لا يختبئ خلف سلطته، بل يواجه نتائج أفعاله، ويعرف أن قوته ليست امتيازاً بل أمانة.
هو مسؤول عمن يعتمدون عليه، عن الضعفاء الذين يجدون به سنداً، وعن القيم التي يحملها بصمت وقناعة.
وكلما زادت رجولته عمقاً ازداد إحساسه تجاه الألم الإنساني، لأن المسؤولية تفتح العين على حاجات البشر لا على ضعفهم.
أما صفات الرجولة ومقوماتها، فهي الصدق قبل الشجاعة، والعدل قبل الغضب، وضبط النفس قبل استعراض القوة.
فالرجولة وفاء بالعهد، وثبات في الموقف، وقدرة على الاعتذار عند الخطأ.
وهي أيضاً تواضع القادر، الذي يجعل الرجل يبدو كبيراً في عيون الآخرين دون الحاجة لإضعافهم حتى يبدو كبيراً.
وهنا ينكشف الجوهر دون حاجة الى تفسير. فالرجولة مهما اتسعت رحمتها ورقَّ إحساسها لا تتنازل عن الكرامة، ولا تتهاون مع الخطأ، ولا تغمض عينيها عن الفجور، ولا تبرّر الإعوجاج أو التفلّت باسم التسامح، إنها تميِّز بشدة بين الرحمة والتسيب، وبين العفو والتفلُّت، فتكون ليّنة في موضع اللين، صارمة في موضع الحزم، ثابتة حين يختل الميزان.
لا تميل للباطل مهما تغيَّرت أقنعته، ولا تفرِّط بالقيم لأنها تعرف أن التفريط بها هو بداية للانهيار. وحين تلمع دمعة في عين الرجل، فإنها لا تنحدر عبثاً، بل تكون استجابة لدعوة إنسانية تتربع في وجدانه.
والى ذلك فإن دمعة الرجل لا تُسقِط هيبته، بل تكشف عمق رجولته، وتقول بصمت واثق: إن الرجولة في أصدق تجلياتها هي وعيٌ حيّ، وقلبٌ لم يفقد قدرته على الإحساس.