من فجر الأنوثة إلى اكتمال الإنسان - الكاتبة أ. إيمان أبو شاهين يوسف

الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف

لم يبدأ وعي الإنسان بالمرأة من سؤال الحقوق، ولا من جدل الأدوار، بل من رهبة الوجود ذاته. 

قبل أن يتعلّم الإنسان التنظير كان يتأمل، وقبل أن يضع القوانين كان ينصت الى سرّ الحياة وهو يتكرر أمامه. 

في تلك اللحظة الأولى، حين كان الوجود يُفْهَم بوصفه عطية لا ملكية، لم تُرَ المرأة ككائن تابع، بل ككائن أساسي  وأصل الوجود البشري. في سوريا القديمة، حيث تشكّلت إحدى أقدم التجارب الحضارية للإنسان، ظهرت "أشيرة"، لا كإلهة بالمعنى الأسطوري السطحي، بل كرمز للأنوثة الكونية: أم الآلهة ومصدر الخصب، وحاضنة الحياة في دوراتها الأولى. 

هي لم تُقَدّس لأنها امرأة، بل لأن الأنوثة كانت تُرى آنذاك بوصفها المبدأ الذي يمنح الوجود استمراريته. 

وكان الإنسان البدئي يُدرِك بحدسه، أن من يُنجب الحياة لا يُمكن أن يكون هامشاً فيها، وأن من يمنح الكينونة لا يُقصى عنها. ومع تعقُّد المجتمعات، تحوَّل الرمز إلى سلطة، وتراجع المعنى أمام التنظيم، فانتقلت المرأة تدريجياً من كونها مبدأ الى كونها موضوعاً. 

هنا بدأ السؤال الفلسفي، لا ليبتدع قيمة جديدة، بل ليحاول استعادة ما فُقِدَ. أفلاطون، وهو يشيد مدينته الفاضلة في فضاء العقل، لم يفعل أكثر من إعادة الإعتبار لما عرفته الحضارات الأولى حدسياً: " أن النَفْسَ الإنسانية واحدة، وأن العَقْلَ لا جنس له". 

لذلك لم يتردد في إسناد التعليم والحراسة، والحكم...الى المرأة، لا بوصفها إستثناء، بل بوصفها شريكاً كاملاً في بناء المجتمع والعدالة. ثمَّ جاء إبن رشد، في سياق ثقافي مغاير، ليقول ما لم يجرؤ كثيرون قوله: " إن الأمم التي عطّلت نساءها عطّلت مستقبلها". 

لم يكن قوله دفاعاً أخلاقياً عن المرأة، بقدر ما كان عقلياً. فالعقل عنده، لا يعمل مجزءاً، والحضارة التي تُقصي نصف طاقتها محكومة  بالضمور والزوال. المرأة والرجل يشتركان في الإستعداد الإنساني ذاته، وكل تفريق مصطنع هو خلل في الفهم قبل أن يكون ظلماً وتجاهلاً. 

وعلى مستوى أعمق من التجريد، كتب ابن طفيل حكاية الإنسان المجرّد من كل تعريف. لم يَقُل رجلاً ولا امرأة، لأن الحقيقة لا تحتاج الى نوع أو جنسٍ كي تُدرَك. الإنسان في جوهره، عقلٌ يسعى، وكلّ ما عداه وصف لاحِق. هنا تبلغ المسألة ذروتها غير المعلنة، حين لا يعود السؤال عن المرأة والرجل مطروحاً، لأن السؤال صار عن الإنسان ذاته. 

أمّا ابن عربي، فقد أعاد للأنوثة بُعْدَها الكوني بعد أن كادت تختنق في ضجيج الواقع . لم يرَ في المرأة نقصاً وعدم اكتمال، بل مرآة للحكمة، وتجليّاً للجمال، ومظهراً من مظاهر الكمال الإلهي. عنده، لا يكتمل الوجود إلاّ بالإزدواجية، ولا تُفْهَم الوحدة إلا عبر الثنائية. 

الأنوثة عنده ليست نقيضاً للذكورة، بل شرط معناها. ومع دخول العصر الحديث، ظنّ الإنسان أن العقل سيحسم المسألة نهائياً، لكنه اكتشف أن التقدم التقني لا يرافقه بالضرورة نضج أخلاقي. 

وحده  الفيلسوف جون ستيوارت ميل من وعى هذا التناقض، وأدرك أن استبعاد المرأة ليس ظلماً لها وحدها، بل إفساد لبنية المجتمع بأكمله، لأن الحرية لا تتجزأ، والعقل  الذي يقبل القيد على غيره يفقد أهليته للحكم. 

غير أن الحكمة الأخيرة لا تقف عند حدود المساواة الحسابية، بل تتجاوزها الى التكامل. 

فالرجل والمرأة ليسا ضدين في صراع، ولا صورتين متماثلتين في مرآة واحدة، بل تجلّيين لحقيقة إنسانية واحدة. 

وكما لا تولد الحياة من قطب واحد، لا يولد المجتمع من طرف واحد. 

فالقوة دون احتواء قسوة، والاحتواء دون قوّة هشاشة، والإنسان لا يكتمل إلاّ بهما معاً. 

وهكذا يعود الفكر في نهايته  إلى بدايته الأولى: إلى أشيرة، لا كإلهة تُعْبَد، بل كمعنى يُستعاد. 

إلى الأنوثة لا كقضية، بل كأصل. فكلّ حضارة تنسى أن الإنسان واحد، وإن تعدّدت صوره، محكوم عليها أن تُعيد تَعَلُُّم ما عرفته منذ فجرها الأول.


 المراجع: 1 – كتاب الجمهورية -أفلاطون – ترجمة فؤاد زكريا، الهيئة المصرية العامة للكتاب. 2 – تلخيص كتاب الجمهورية لأفلاطون – ابن رشد .- مركز درايات الوحدة العربية، بيروت - لبنان 3 – نحن والتراث – محمد عابد الجابري – مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت - لبنان 4 – حي بن يقظان، ابن الطفيل - دار المعارف - القاهرة 5 – الفتوحات المكية – ابن عربي – دار صادر – بيروت. 6 – استعباد النساء – جون ستيوارت ميل – المجلس الأعلى للثقافة – مصر 7 – الأسطورة والمعنى – فراس السواح – دار علاء الدين - بيروت