حين يصبح الماء أثمن من النفط

حين يصبح الماء أثمن من النفط
العالم يدخل عصر العطش الكبير
على هذا الكوكب الذي يبدو من الفضاء أزرقَ ومغموراً بالمياه، يعيش البشر اليوم واحدة من أكثر المفارقات رعباً في التاريخ:الأرض مغطاة بالماء… لكن الإنسان يقترب من العطش.
الكثيرون يظنون أن المياه مورد لا ينتهي، لأن المحيطات والبحار تحاصر اليابسة من كل اتجاه، لكن الحقيقة الصادمة أن أكثر من 96% من مياه الأرض مالحة وغير صالحة للشرب بشكل مباشر. أما المياه العذبة كلها فلا تتجاوز تقريبًا 2.5% إلى 3% فقط من إجمالي مياه الكوكب. 
والصدمة الأكبر ليست هنا…
لأن معظم هذه النسبة الصغيرة أصلاً غير متاحة للبشر.
فحوالي 68% من المياه العذبة في العالم محتجزة داخل الجليد والأنهار الجليدية والقمم القطبية، بينما يقبع نحو 30% منها في باطن الأرض كمياه جوفية. أما المياه الموجودة في الأنهار والبحيرات — وهي المصدر الأساسي للحياة اليومية والزراعة والشرب — فلا تمثل إلا نسبة ضئيلة للغاية تكاد لا تُرى مقارنة بحجم مياه الأرض كلها. 
بمعنى آخر:الحضارة البشرية بأكملها تعيش عملياً على قطرة صغيرة جداً من ماء هذا الكوكب.
ومع ذلك… يهدرها الإنسان بجنون.
المياه… العمود الفقري للحضارة
لا توجد دولة قوية بلا مياه.ولا اقتصاد مستقر بلا مياه.ولا غذاء، ولا كهرباء، ولا صناعة، ولا حتى استقرار سياسي دون مصدر مائي آمن.
اليوم تستهلك الزراعة وحدها نحو 70% من المياه العذبة المستخدمة عالمياً، بينما تذهب كميات ضخمة للصناعة والطاقة والمدن المتضخمة سكانياً. كما أن الطلب العالمي على المياه يزداد سنوياً بشكل مستمر منذ عقود. 
العالم لا يستهلك الماء فقط… بل يستنزفه.
الأنهار تتراجع، والمياه الجوفية تُشفط من باطن الأرض أسرع من قدرتها على التجدد، والجفاف يضرب مناطق لم تكن تعرف العطش يوماً.
في بعض الدول بدأت البحيرات التاريخية تختفي تدريجياً، وفي مناطق أخرى تحولت الأراضي الزراعية إلى تراب متشقق.حتى الأنهار الجليدية التي كانت تُعتبر خزانات طبيعية للمياه بدأت تنهار بوتيرة مخيفة بسبب تغيّر المناخ.
وتشير تقارير أممية إلى أن الجبال والأنهار الجليدية توفر مياهاً عذبة يعتمد عليها أكثر من ملياري إنسان حول العالم، لكن ذوبانها المتسارع يهدد مستقبل تلك الموارد بشكل مباشر. 
العالم يقترب من “الإفلاس المائي”
في السنوات الأخيرة، بدأ خبراء المياه يستخدمون مصطلحات مرعبة مثل:“الإفلاس المائي” و”الانهيار الهيدرولوجي”.
الأمم المتحدة حذّرت من أن مليارات البشر باتوا يعيشون في مناطق تعاني من انعدام الأمن المائي، وأن نحو نصف سكان العالم يواجهون شحاً مائياً شديداً خلال فترات من السنة. 
ًالأخطر أن بعض أنظمة المياه الطبيعية قد لا تتعافى أبدا.
الأنهار التي جفّت، والبحيرات التي تقلّصت، والمياه الجوفية التي استُنزفت

ًلعقود… كلها قد تحتاج مئات السنين لتعود، إن عادت أصلا.
والمرعب أكثر أن هذه الأزمة لا تضرب الفقراء فقط، بل بدأت تقترب من المدن الكبرى والدول الصناعية أيضاً.
حروب المستقبل لن تكون فقط بالسلاح
في القرن الماضي، كانت الحروب تُخاض من أجل النفط والحدود.أما في القرن الحالي، فقد تكون المياه هي الوقود الحقيقي للصراعات القادمة.
حين تجف الأنهار المشتركة بين الدول، وتتناقص الحصص المائية، وتزداد أعداد السكان، يتحول الماء من نعمة إلى ملف سيادي خطير.
العالم يشهد بالفعل توترات متزايدة حول السدود والأنهار والمياه الجوفية.ولأن الماء ليس رفاهية بل ضرورة وجود، فإن أي خلل فيه قادر على إشعال اضطرابات سياسية واقتصادية واجتماعية هائلة.
فالعطش لا يصنع الفقر فقط… بل يصنع الفوضى.
الوجه الإنساني الكارثي للأزمة
ًبعيداً عن الأرقام، هناك ملايين البشر يعيشون المأساة يوميا.
نساء وأطفال يقطعون ساعات طويلة للحصول على مياه ملوثة.

قرى كاملة تعتمد على صهاريج متنقلة.أطفال يشربون مياهاً تنقل الأمراض والطفيليات.ومجتمعات تخسر تعليمها وصحتها واستقرارها فقط لأنها لا تملك ماءً نظيفاً.
وتشير تقارير حديثة إلى أن النساء والفتيات يتحملن العبء الأكبر في مناطق الجفاف، حيث يقضين مئات ملايين الساعات سنوياً في جمع المياه، ما ينعكس على التعليم والصحة والعمل والحياة الإنسانية كلها. 
المشكلة ليست في اختفاء الماء… بل في اختفاء الماء القابل للحياة
الماء لن يختفي من الأرض، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في تناقص المياه الصالحة للاستخدام البشري.
فالتلوث الصناعي، والمواد الكيميائية، والصرف الصحي، والاحتباس الحراري، وإزالة الغابات، والاستهلاك المفرط… كلها عوامل تدمر دورة المياه الطبيعية.
حتى التكنولوجيا الحديثة مثل تحلية مياه البحر، رغم أهميتها، لا تزال مكلفة وتحتاج طاقة هائلة، ولا تستطيع وحدها إنقاذ العالم إذا استمر الهدر بنفس الجنون الحالي. 
البشرية أمام اختبار وجودي
ربما أخطر ما في أزمة المياه أن العالم لا يشعر بها بالقدر الكافي بعد.
البشرية تتعامل مع الماء وكأنه حق أبدي لا ينضب، بينما الحقيقة أن الحضارات عبر التاريخ سقطت حين سقطت مواردها المائية.
كل كوب ماء نظيف أصبح اليوم جزءًا من معركة عالمية صامتة.
ومع ارتفاع درجات الحرارة، وزيادة السكان، وتوسع المدن، وازدياد التلوث… يبدو أن العالم يقترب شيئاً فشيئاً من عصرٍ سيكون فيه الماء أثمن من الذهب والنفط معاً.
السؤال لم يعد:“هل ستحدث أزمة مياه؟”بل أصبح:“هل سيفيق العالم قبل أن      يتحول العطش إلى الكارثة الكبرى القادمة؟”

الإعلامي: مشير فياض