
أولاً: تعريف القانون الدولي الإنساني
القانون الدولي الإنساني هو فرع من فروع القانون الدولي العام يهدف إلى تنظيم سلوك الأطراف أثناء النزاعات المسلحة،
وذلك من خلال وضع قواعد قانونية تهدف إلى:
ويُعرف هذا القانون أيضاً باسم قانون النزاعات المسلحة أو قانون الحرب، وهو لا يمنع نشوب الحروب بحد ذاتها، بل يسعى إلى تنظيمها والحد من آثارها الإنسانية المدمرة.
ثانياً: نشأة القانون الدولي الإنساني وتطوره التاريخي
تعود البدايات الحديثة للقانون الدولي الإنساني إلى منتصف القرن التاسع عشر، وتحديداً بعد معركة سولفرينو التي وقعت سنة 1859 في شمال إيطاليا، حيث شاهد رجل الأعمال السويسري Henry Dunant آلاف الجرحى الذين تُركوا دون رعاية طبية. هذا الحدث أدى إلى:
ومنذ ذلك الوقت بدأ القانون الدولي الإنساني بالتطور عبر سلسلة من الاتفاقيات الدولية. ومن أبرز المحطات التاريخية:
ثالثاً: المعاهدات والاتفاقيات التي يقوم عليها القانون الدولي الإنساني
.1- اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 تشكل هذه الاتفاقيات العمود الفقري للقانون الدولي الإنساني المعاصر. وهي أربع اتفاقيات أساسية:
وتعتبر هذه الاتفاقيات اليوم الأكثر قبولاً في القانون الدولي إذ صادقت عليها جميع دول العالم تقريباً.
.2- البروتوكولات الإضافية لعام 1977 تم اعتماد بروتوكولين رئيسيين لتطوير القانون الإنساني:
وقد أدخلت هذه البروتوكولات مفاهيم قانونية أساسية مثل:
.3- البروتوكول الإضافي الثالث لعام 2005
أضاف رمزاً إنسانياً جديداً هو الكريستالة الحمراء ليستخدم إلى جانب الصليب الأحمر والهلال الأحمر.
رابعاً: نطاق تطبيق القانون الدولي الإنساني
يطبق القانون الدولي الإنساني فقط في حال وجود نزاع مسلح، سواء كان:
ولا يطبق هذا القانون في حالات الاضطرابات الداخلية أو التوترات السياسية التي لا ترقى إلى مستوى النزاع المسلح.
خامساً: المبادئ الأساسية التي يقوم عليها القانون الدولي الإنساني
يقوم القانون الدولي الإنساني على مجموعة من المبادئ الأساسية أهمها:
1- مبدأ التمييز
يقضي بضرورة التمييز دائماً بين:
وكذلك بين:
الأعيان المدنية أو غير العسكرية هي كل الممتلكات أو المنشآت التي لا تشكل أهدافاً عسكرية، والتي يحميها القانون الدولي الإنساني من الاستهداف المباشر أثناء النزاعات المسلحة. حماية هذه الأعيان قائمة على مبدأ التمييز بين المدنيين والأهداف العسكرية لضمان تقليل المعاناة والخسائر غير الضرورية.
2-مبدأ التناسب
يحظر شن هجوم عسكري إذا كان الضرر المتوقع على المدنيين مفرطاً مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة.
3- مبدأ الضرورة العسكرية
يجيز استخدام القوة العسكرية فقط عندما تكون ضرورية لتحقيق هدف عسكري مشروع.
سادساً: الأعيان المدنية والأماكن المحمية
تشمل الأعيان المدنية كل الممتلكات التي لا تشكل أهدافاً عسكرية. ومن أبرزها :
- المباني السكنية: (المنازل والشقق المجمعات السكنيةالأحياء السكنية -تظل محمية ما لم تستخدم لأغراض عسكرية مباشرة)
- المدارس والمؤسسات التعليمية : (المدارس والجامعاتدور التدريب والتكوين المهني)
- المستشفيات والمراكز الصحية: ( المستشفيات العامة والخاصةالمراكز الطبية الميدانيةسيارات الإسعاف والطواقم الطبية-الحماية تُسقط فقط إذا تحولت المستشفى إلى مركز عسكري)
- دور العبادة والأماكن الدينية : ( المساجد والكنائس والمعابدالمقابر والأضرحة الدينية - محمية طالما لم تُستخدم لأغراض عسكرية)
- المنشآت الثقافية : ( المتاحف والمكتبات المواقع الأثريةمراكز التراث والتاريخ) - البنية التحتية المدنية : ( شبكات المياه والكهرباء والاتصالاتالطرق والجسور المخصصة للنقل المدنيمحطات الطاقة والمياه- محمية إذا لم تتحول إلى هدف عسكري مباشر)
- الممتلكات الخاصة : ( الأراضي الزراعية والمزارع _المحلات التجارية والمصانع غير العسكرية البضائع والموارد المدنية)
- الملاجئ والمخيمات الإنسانية : (مخيمات اللاجئين والمهجرين الملاجئ المؤقتة للمدنيين)
وتتمتع هذه الأعيان بالحماية من الهجوم أو التدمير.
سابعاً: متى تتحول الأبنية السكنية إلى أهداف عسكرية
الأصل في القانون الدولي الإنساني أن المنازل والشقق السكنية تعتبر أعياناً مدنية محمية.
لكن هذه الحماية يمكن أن تزول بشكل مؤقت إذا تحولت هذه الأعيان إلى أهداف عسكرية.
ويحدث ذلك عندما تسهم العين المدنية إسهاماً فعلياً في العمل العسكري.
ومن الأمثلة التي تذكرها الأدبيات القانونية:
وفي هذه الحالة يمكن استهداف المبنى بشرط احترام:
ثامناً: متى تسقط الحماية عن الأعيان المحمية
تسقط الحماية عن الأعيان المدنية إذا أصبحت:
لكن حتى بعد سقوط الحماية يجب احترام القواعد التالية:
تاسعاً: الانتهاكات والعقوبات
الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني تسمى جرائم حرب. ومن أبرزها:
وتخضع هذه الجرائم للمساءلة أمام:
وقد تصل العقوبات إلى السجن المؤبد.
عاشراً: الدول المصدقة على القانون الدولي الإنساني
تُعد اتفاقيات جنيف من أكثر المعاهدات الدولية قبولاً في العالم.
إذ صادقت عليها 196 دولة، ما يجعلها شبه عالمية. لكن البروتوكولات الإضافية لعام 1977 و2005 لم تصدق عليها جميع الدول.
حادي عشر: آخر التطورات والتعديلات
لم يتم تعديل اتفاقيات جنيف الأساسية منذ عام 1949، لكن جرى تطوير القانون الدولي الإنساني عبر:
ثاني عشر: موقف لبنان من القانون الدولي الإنساني
يُعد لبنان من الدول المنضمة إلى معظم الاتفاقيات الأساسية للقانون الدولي الإنساني. فقد صادق على:
وبالتالي فإن لبنان ملزم قانونياً باحترام وتطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني أثناء أي نزاع مسلح.
وفي الختام هل يتم احترام القانون الدولي الإنساني في النزاعات التي تطال لبنان؟
يبقى السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه في ضوء ما سبق:
إلى أي مدى يتم احترام قواعد القانون الدولي الإنساني في النزاعات التي يتعرض لها لبنان؟
من الناحية القانونية، فإن جميع أطراف النزاعات المسلحة، سواء كانت دولاً أو جماعات مسلحة، ملزمة باحترام القواعد المنصوص عليها في Geneva Conventions والبروتوكولات الملحقة بها، ولا سيما تلك المتعلقة بحماية المدنيين والأعيان المدنية.
إلا أن الواقع العملي للنزاعات المعاصرة يظهر في كثير من الأحيان فجوة واضحة بين النص القانوني والتطبيق الفعلي.
فكثير من العمليات العسكرية التي تطال مناطق مدنية أو بنى تحتية أساسية تثير تساؤلات قانونية جدية حول مدى الالتزام بمبادئ التمييز والتناسب والضرورة العسكرية التي يقوم عليها القانون الدولي الإنساني.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التوثيق القانوني للانتهاكات المحتملة، ومساءلة المسؤولين عنها أمام الهيئات القضائية الوطنية أو الدولية، بما في ذلك International Criminal Court عندما تتوافر الشروط القانونية لذلك.
ويبقى احترام القانون الدولي الإنساني اختباراً حقيقياً لمدى التزام المجتمع الدولي بقواعد العدالة والإنسانية، خصوصاً في النزاعات التي تمس حياة المدنيين وحقوقهم الأساسية.
المحامية أنديرا سمير الزهيري
المصدر: عدة مصادر ومراجع اتفاقيات دولية وبعض المقالات