
سامي الحلبي ناشط حقوقي وسياسي / باحث اجتماعي. نشطاء بلا حدود.
عند مناقشة مفهوم القوة في السياسة الدولية، يتبادر إلى الذهن عادةً القوة العسكرية، أو العقوبات الاقتصادية، أو الضغوط السياسية.
ومع ذلك، فإن النفوذ لا يُكتسب دائماً عبر السلاح أو المواجهة المباشرة؛ إذ غالباً ما تحقق الدول أهدافها من خلال صياغة أفكار الآخرين، وكسب إعجابهم، بل وحتى تشكيل تطلعاتهم. وهذا هو ما يُطلق عليه الباحثون والسياسيون اسم "القوة الناعمة": أي القدرة على التأثير من خلال الجاذبية بدلاً من الإكراه.
إن هذا المفهوم ليس وليد اليوم تماماً؛ فقد مارست الحضارات القوية نفوذها منذ أمد بعيد عبر اللغة، والدين، والفن، والتجارة، والثقافة. غير أن ما تغيّر هو نطاق هذا النفوذ وسرعته. ففي عالم اليوم المترابط، باتت السينما، والموسيقى، والجامعات، ووسائل التواصل الاجتماعي، والتكنولوجيا، والعلامات التجارية العالمية قادرة على التأثير في الرأي العام العالمي بفاعلية تفوق الرسائل السياسية التقليدية.
وقد نجحت دول مثل الولايات المتحدة، والصين، وكوريا الجنوبية -على وجه الخصوص- في توظيف الثقافة، والابتكار، والدبلوماسية، ووسائل الإعلام لتعزيز صورتها العالمية وتوسيع نطاق نفوذها إلى ما وراء حدودها.
وتكمن أهمية القوة الناعمة في قدرتها على العمل بصورة غير مباشرة أو خفية؛ فهي تعمل على صياغة الرأي العام على المدى الطويل، وتعزز الثقة، وتدرّ مكاسب سياسية واقتصادية دائمة دون الحاجة إلى اللجوء للقوة المسلحة.
فعلى سبيل المثال، وأثناء نشر القوات الكورية الجنوبية في العراق، أُفيد ببذل جهود حثيثة لاحترام العادات المحلية والحساسيات الدينية، وذلك بهدف كسب ثقة المجتمعات المحيطة.
وقد ساعد هذا النهج في نزع فتيل التوتر، وتعزيز التعاون، وتمهيد الطريق لإقامة روابط دبلوماسية وتجارية أوثق. ويُجسّد هذا المثال أحد الأهداف الجوهرية للقوة الناعمة: ألا وهو ممارسة النفوذ من خلال الفهم المتبادل، والتكيف الثقافي، وبناء العلاقات، بدلاً من الاعتماد على الإكراه.
إن الدولة التي تنجح في إيصال قيمها وثقافتها بفاعلية تستطيع استقطاب الحلفاء، وحشد الدعم الدولي، وتوسيع نفوذها العالمي بطرق تعجز القوة العسكرية وحدها عن تحقيقها. وفي الوقت ذاته، يمكن توظيف القوة الناعمة استراتيجياً لصياغة السرديات، والتأثير في الرأي العام، وخلق أشكال من التبعية قد تمسّ الاستقلال السياسي أو الثقافي لدولة أخرى.
وعليه، فمن الأهمية بمكان إدراك الكيفية التي تعمل بها القوة الناعمة؛ إذ يتحتم على الحكومات، والمؤسسات، والمواطنين على حد سواء أن يستوعبوا سبل ممارسة النفوذ عبر وسائل الإعلام، والتعليم، والترفيه، والدبلوماسية، والتكنولوجيا.
ستتناول هذه الدراسة معنى "القوة الناعمة" وتاريخها، وتوضح الآليات التي تضمن فعاليتها، وتستكشف الأسباب التي تدفع الدول إلى الاستثمار بكثافة في توظيفها كأداة استراتيجية، كما ستحلل الدول الأكثر نجاحاً حالياً في استخدامها.
وإضافةً إلى ذلك، ستتناول الدراسة الكيفية التي تحمي بها الدول مصالحها وهويتها الثقافية في عالمٍ غالباً ما يُمارَس فيه النفوذ بطرق غير مباشرة، بدلاً من الطرق العلنية الصريحة.