المواطنة في لبنان: بين النص الدستوري وغياب المواطنية

الكاتبة والباحثة الاستاذة

 إيمان أبو شاهين يوسف

في عام 1789م، اندلعت في باريس الثورة الفرنسية التي ألغت الإمتيازات الإقطاعية وأرست مبادئ الحرية والمساواة والمواطنة، وصاغت إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي رسّخ فكرة الفرد كحامل للحقوق ضمن الدولة. 

خلال القرن التاسع عشر، تطورت مؤسسات الدولة الحديثة في أوروبا، وتوسعت الحقوق السياسية تدريجياً، كما أُقِرَّ دستور الولايات المتحدة عام 1787 وشرعة الحقوق عام 1791 لتعزيز استقلالية المواطن وإشراكه في الحياة العامة.  

في المقابل تأسست الدولة في لبنان في سياق مختلف. 

ففي 1 أيلول من العام 1920 وبعد انهيار السلطنة العثمانية أعلن المفوض السامي الفرنسي ( الجنرال غورو) من قصر الصنوبر في بيروت  قيام دولة لبنان الكبيررسمياً تحت الإنتداب الفرنسي، وتبع ذلك إقرار الميثاق الوطني الذي نظّم السلطة على أساس طائفي، وعزّز اتفاق الطائف (1989) هذا التوازن من دون تجاوز جذور الإنقسامات الاجتماعية والسياسية التي ما زالت تؤثر على ممارسة المواطنة حتى اليوم. 

المواطنة في التعريف القانوني الذي قامت على أساسه النظم الديمقراطية، هي علاقة قانونية وسياسية بين الفرد والدولة، تقوم على أساس المساواة في الحقوق والواجبات ضمن إطار دستوري شامل. 

وقد أكد المفكران اللبنانيان أنطوان مسرّة وناصيف نصّار أن المواطنة تتجاوز البعد القانوني لتشمل الالتزام الأخلاقي والإجتماعي، بحيث يتحوَّل الفرد الى شريك فعلي في صيانة الدولة وصالح المجتمع العام. 

ومن هنا يظهر التمييز بين مفهومي المواطنة والمواطنية حيث أن الأول يُمثِّل الوضع القانوني للفرد وحقوقه وواجباته، بينما الثاني يُمثِّل ممارسته الفعلية لهذه الحقوق والواجبات في الحياة اليومية، ويمكن أن توجد مواطنة دون مواطنية إذا كانت الحقوق منصوصاً عنها لكن لا تمارس، بينما لا تتحقق المواطنية إلاّ بممارسة الحقوق والواجبات على أرض الواقع. وهذا ما زال مفقوداً في لبنان وسبباً في ضياع أبنائه، وانشدادهم الى انتماءات بديلة عن الوطن. 

تقوم المواطنة على ركائز أساسية، أهمها الحقوق المدنية والسياسية التي تضمن استقلالية الفرد وتمكينه من المشاركة في الحياة العامة، مثل حرية التعبير عن الرأي وإبداء المواقف دون خوف، وحق المشاركة في الانتخابات سواء عبر الإقتراع أو الترشيح، وحرية تأسيس الجمعيات والإنخراط في العمل المدني، الى جانب المساواة أمام القانون دون تمييز على أساس الدين أو الطائفة أو الإنتماء الاجتماعي. 

هذه الحقوق تتوازن مع الواجبات العامة، التي تشمل احترام القانون، دفع الضرائب، حماية الملك العام، والعمل على تغليب المصلحة العامة على المصالح الفردية أو الفئوية، بما يضمن استقرار الدولة واستمرارها. 

تأخُر تطبيق المواطنة في لبنان يعود الى طبيعة النظام الطائفي والسياسي، الذي جعل الإنتماءات الفرعية أقوى من الإنتماء الوطني، ما أضعف المساواة القانونية وأدى الى ظهور مراكز نفوذ مواازية للدولة وانتشار الزبائنية في منح الحقوق. كما أضعف عدم وجود دولة  قوية قادرة على تطبيق القانون بشكل متساوٍ، دور المؤسسات في ترسيخ المواطنة. بينما بقيت الهوية الوطنية غير مكتملة مقارنة بالهوية الفرعية.  

معالجة هذا التأخر في ترسيخ المواطنة تتطلب تعزيز استقلال القضاء، تطوير الإدارة العامة، تقليص الوساطة الطائفية، وبناء برامج تعليمية وتربوية لتنشئة الوعي بالمواطنة والمواطنية، مع إعادة صياغة الثقافة الوطنية لتعزيز الإنتماء للدولة وتغليب المصلحة العامة على الإنتماءات الفئوية. 

وعليه يظهر أن الفرق بين التجربة الأوروبية والتجربة اللبنانية ليس في المفهوم نفسه، بل في المسار التاريخي، ففي أوروبا أنتجت الدولة الحديثة المواطن عبر تراكم طويل للحقوق والمؤسسات، بينما في لبنان سبقت الدولة اكتمال شروط المواطنة ، فبقيت هذه الأخيرة مشروعاً غير مكتمل يتأرجح بين النص القانوني والممارسة الواقعية، بين المواطنة كمبدأ والمواطنية كواقع لم يتحقق بعد.

 المراجع: - في بناء الدولة، دراسات في المواطنة – أنطوان مسرّة- بيروت: المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي – (2008) 
- طريق الإستقلال الفلسفي – ناصيف نصار- بيروت – دار الطليعة –(2001) - الاقتصاد والمجتمع – ماكس فيبر – ترجمة فؤاد زكريا- بيروت – المنظمة العربية للترجمة – (1978) 
- المواطنة والطبقة الاجتماعية – ترجمة د. أحمد زايد- القاهرة- المركز القومي للترجمة.-الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها- أندرسون، بندكيت ريتشارد أونيل - ترجمة ثائر ذيب- الدوحة – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – (1983 )
- مجنمعات قوية ودول ضعيفة – ميغدال، جوئيل صموئيل – بيروت – دار النهار ( 1988 )