
لم تعد حرية التعبير اليوم حبيسة الصحيفة أو المنبر أو شاشة التلفزيون، بل أصبحت في متناول الجميع. بضغطة واحدة يستطيع الإنسان أن يكتب رأيًا، أو ينشر صورة، أو يسجل مقطعًا مصورًا، أو يعلق على حدث، ثم يصل كلامه خلال دقائق إلى آلاف الأشخاص وربما إلى ملايينهم. لقد منحت وسائل التواصل الاجتماعي الإنسان مساحة غير مسبوقة للتعبير والمشاركة، لكنها في الوقت نفسه جعلت الكلمة أكثر قوة، وأكثر سرعة في الانتشار، وأكثر قابلية لأن تتحول من رأي شخصي إلى قضية عامة.
وهنا يظهر السؤال الذي يزداد إلحاحًا في عصرنا: أين تنتهي حرية الرأي، وأين تبدأ المسؤولية القانونية والأخلاقية؟
إن حرية التعبير من الحقوق الأساسية للإنسان، لأنها تمنحه القدرة على إبداء رأيه ومناقشة القضايا العامة وانتقاد السياسات والتعبير عن أفكاره ومواقفه. ومن دون حرية التعبير يصعب بناء مجتمع قادر على الحوار والمساءلة وتصحيح الأخطاء.
لكن الحرية، مهما كانت قيمتها، لا تعني أن الإنسان يستطيع أن يفعل أو يقول أي شيء من دون تبعات.فالكلمة التي يكتبها شخص على هاتفه قد تجرح إنسانًا آخر، أو تشوه سمعته، أو تنشر معلومة كاذبة، أو تحرض على الكراهية والعنف، أو تنتهك خصوصية شخص لم يمنح الإذن بنشر معلوماته أو صوره. وهنا تبدأ المسؤولية.
في الماضي، كان نشر معلومة خاطئة يحتاج إلى وسيلة إعلامية أو مؤسسة قادرة على إيصالها إلى الجمهور. أما اليوم، فقد يستطيع أي مستخدم أن يصبح في لحظات ناشرًا ومؤثرًا وصاحب جمهور.
وهذا التحول منح الإنسان قوة كبيرة، لكنه وضع أمامه مسؤولية أكبر، لأن إعادة نشر معلومة غير صحيحة قد تكون أحيانًا كافية لصناعة أزمة أو الإضرار بشخص أو مؤسسة.
والأخطر أن سرعة وسائل التواصل لا تمنح دائمًا فرصة للتحقق والتفكير. فقد يقرأ المستخدم عنوانًا مثيرًا، فيشاركه فورًا قبل أن يسأل: هل الخبر صحيح؟ ومن مصدره؟ وهل الصورة حقيقية؟ وهل تم اقتطاع الكلام من سياقه؟ وبذلك يمكن أن تتحول المنصات الرقمية إلى بيئة تنتشر فيها الشائعة أسرع بكثير من الحقيقة.
لكن المسؤولية لا تعني إسكات الأصوات المخالفة أو تحويل القانون إلى وسيلة لمنع النقد.
فهناك فرق كبير بين انتقاد شخص أو مسؤول أو سياسة عامة وبين التشهير به أو تهديده أو اختلاق معلومات عنه. كما أن الاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى إهانة، والحوار السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى تحريض، والنقد الاجتماعي لا ينبغي أن يصبح اعتداءً على كرامة الآخرين.وهنا تأتي المسؤولية الأخلاقية قبل أحيان كثيرة من المسؤولية القانونية.
فقد يكون بعض الكلام غير مجرّم قانونًا في سياق معين، لكنه يظل جارحًا أو مهينًا أو غير مسؤول من الناحية الإنسانية. وليس كل ما يمكن نشره ينبغي نشره، وليس كل ما نستطيع قوله يجب أن نقوله بالطريقة نفسها.ومن أكثر القضايا حساسية في هذا المجال مسألة الخصوصية.
فقد يلتقط شخص صورة لإنسان آخر وينشرها من دون إذنه، أو يكشف معلومات شخصية عنه، أو ينشر محادثة خاصة، معتقدًا أن امتلاكه للصورة أو المحادثة يمنحه الحق في نشرها.
لكن الحياة الرقمية لا تلغي حق الإنسان في الخصوصية، ولا تجعل كل ما يصل إلى هاتف شخص ما مباحًا أمام الجمهور.كما أن وسائل التواصل الاجتماعي جعلت الأطفال والشباب أكثر عرضة لمخاطر التنمر الإلكتروني وخطاب الكراهية والاستهداف النفسي.
وقد تتحول عبارة ساخرة أو تعليق قاسٍ إلى أذى حقيقي لشخص آخر، خصوصًا عندما يتكرر أمام جمهور واسع. لذلك فإن المسؤولية الرقمية تبدأ من إدراك أن الطرف الآخر خلف الشاشة ليس مجرد حساب أو صورة، بل إنسان له مشاعر وكرامة وحقوق.
وفي المقابل، لا يمكن معالجة هذه المشكلات من خلال تقييد حرية التعبير بصورة مطلقة. فالمجتمعات الديمقراطية تحتاج إلى النقد والمساءلة، والصحافة تحتاج إلى مساحة للعمل، والمواطن يحتاج إلى القدرة على التعبير عن مخاوفه واعتراضاته. والتحدي الحقيقي هو الوصول إلى التوازن بين حماية حرية التعبير وحماية الآخرين من الأذى والانتهاك.
وهذا التوازن يتطلب قوانين واضحة وعادلة، وتطبيقًا لا يميز بين الآراء بحسب أصحابها، إلى جانب وعي رقمي يجعل المستخدم أكثر قدرة على التحقق من المعلومات وفهم حقوقه وواجباته. كما يتطلب من المؤسسات والمنصات الرقمية التعامل بجدية مع المحتوى الذي يشكل تهديدًا حقيقيًا للآخرين، مع تجنب تحويل الرقابة إلى وسيلة لإسكات الآراء المشروعة.
إن المشكلة ليست في أن الإنسان أصبح قادرًا على التعبير أكثر من أي وقت مضى، بل في أنه أصبح قادرًا على الوصول إلى الآخرين أكثر من أي وقت مضى. ولذلك أصبحت المسؤولية جزءًا لا ينفصل عن الحرية.
فالكلمة التي كانت في الماضي تصل إلى دائرة محدودة من الناس يمكنها اليوم أن تعبر الحدود خلال ثوانٍ، وتبقى محفوظة في الفضاء الرقمي سنوات طويلة. وقد يكتب الإنسان جملة في لحظة غضب، ثم يكتشف لاحقًا أنه لم يعد قادرًا على التحكم في انتشارها أو آثارها.
ولهذا فإن الحرية الحقيقية ليست أن نقول كل ما يخطر في أذهاننا، وإنما أن نمتلك القدرة على التعبير بوعي ومسؤولية واحترام لحقوق الآخرين.
فالاختلاف ليس عداوة، والنقد ليس إهانة، وحرية الرأي ليست ترخيصًا للإساءة.
وفي النهاية، ربما تحتاج المجتمعات اليوم إلى أن تتعلم نوعًا جديدًا من الثقافة:
ثقافة الكلمة الرقمية. أن نتعلم أن وراء كل حساب إنسانًا، وأن وراء كل منشور مسؤولية، وأن خلف كل مشاركة أثرًا قد لا نستطيع التراجع عنه.ففي العالم الرقمي، لم تعد المشكلة أن صوت الإنسان أصبح مسموعًا، بل أن صوته أصبح قادرًا على الوصول إلى الجميع.
ومن هنا تبدأ المسؤولية.
فالحرية تمنحنا الحق في أن نتكلم، أما الأخلاق فتعلمنا كيف نتكلم، والقانون يحدد الحدود التي تحمي حقوق الآخرين. وبين الحرية والقانون والأخلاق يمكن أن يصنع المجتمع فضاءً رقميًا لا يُكمم فيه الصوت، ولا تُهدر فيه كرامة الإنسان.