فرنسا تُشرّع «الموت الرحيم»...

فرنسا تُشرّع «الموت الرحيم»... خطوة تاريخية تثير أسئلة أخلاقية وقانونية حول الحق في إنهاء الحياة


في خطوة وُصفت بأنها من أبرز التحولات التشريعية في تاريخ فرنسا الحديث، أقرّ البرلمان الفرنسي خلال الأيام الماضية قانونًا يسمح بما يُعرف بـ«المساعدة الطبية على إنهاء الحياة»، وهو قانون طال انتظاره وأثار انقسامًا واسعًا بين مؤيديه ومعارضيه، بعدما ظل موضوع الموت الرحيم محل جدل سياسي وأخلاقي وطبي لعقود طويلة.
ويُعد هذا القانون تحولًا جوهريًا في السياسة الصحية الفرنسية، إذ انتقلت البلاد من الاكتفاء بقوانين تسمح بتخفيف آلام المرضى في مراحلهم الأخيرة، إلى السماح – ضمن شروط صارمة للغاية – بمساعدة بعض المرضى على إنهاء حياتهم بصورة طبية وقانونية. ورغم إقرار القانون، فإنه لا يزال بحاجة إلى استكمال بعض الإجراءات الدستورية قبل دخوله حيز التنفيذ بصورة نهائية. 

وقد جاء هذا التشريع بعد نقاشات امتدت لسنوات، شارك فيها أطباء وقانونيون وفلاسفة وجمعيات دينية ومدنية، وانقسم خلالها الرأي العام الفرنسي بين من اعتبره انتصارًا لحرية الإنسان وكرامته، ومن رآه تجاوزًا للحدود الأخلاقية لمهنة الطب.
ويستند القانون إلى مبدأ أساسي مفاده أن الإنسان الذي يعاني من مرض عضال لا أمل في شفائه، ويعيش آلامًا مستمرة لا يمكن تخفيفها بصورة مقبولة، قد يملك الحق في طلب إنهاء حياته بمساعدة طبية، شرط أن يكون قراره حرًا ومدروسًا وخاليًا من أي ضغط خارجي.
ولهذا السبب وضع المشرّع الفرنسي مجموعة من الشروط الدقيقة التي لا يمكن تجاوزها. فلا يحق لأي شخص الاستفادة من هذا الإجراء إلا إذا كان بالغًا ويتمتع بالأهلية القانونية الكاملة، ويعاني من مرض خطير وغير قابل للشفاء، وصل إلى مرحلة متقدمة أو نهائية، ويسبب له معاناة جسدية أو نفسية مستمرة لا يستطيع احتمالها، رغم تلقيه الرعاية الطبية المناسبة. 

كما يشترط أن يكون المريض واعيًا ومدركًا تمامًا لقراره، وأن يعبّر عن رغبته بنفسه دون أي تأثير من أفراد الأسرة أو المؤسسات الصحية أو أي جهة أخرى.
ولا يكفي تقديم طلب من المريض للحصول على هذا الحق، بل يفرض القانون سلسلة من الإجراءات الطبية والقانونية قبل الموافقة عليه. إذ يقوم الطبيب المعالج بدراسة الحالة الصحية بالتفصيل، ثم تُحال إلى طبيب آخر لإبداء رأي مستقل، مع مشاركة فريق الرعاية الصحية في تقييم الملف. 

وبعد التأكد من استيفاء جميع الشروط، يُمنح المريض مهلة للتفكير وإعادة التأكيد على قراره قبل اتخاذ أي إجراء نهائي، في محاولة لضمان أن يكون القرار نابعًا من إرادة ثابتة وليس نتيجة لحالة نفسية مؤقتة أو ضغط اجتماعي.
ويقوم النظام الجديد أساسًا على أن يتناول المريض بنفسه المادة الدوائية المخصصة لإنهاء حياته، باعتبار أن القرار يجب أن يبقى بيده حتى اللحظة الأخيرة. غير أن القانون يجيز للطبيب أو أحد أفراد الفريق الطبي التدخل لتنفيذ الإجراء إذا كان المريض عاجزًا جسديًا عن القيام بذلك بنفسه، مع بقاء القرار صادرًا عنه بإرادة حرة.
وفي المقابل، لا يشمل القانون جميع الحالات المرضية، فهو لا يسمح بإنهاء الحياة بسبب الاكتئاب أو الأمراض النفسية وحدها، كما لا ينطبق على المرضى الذين فقدوا القدرة على التعبير عن إرادتهم، مثل بعض المصابين بالمراحل المتقدمة من مرض ألزهايمر أو غيره من الأمراض التي تؤثر في الإدراك والوعي. فالقدرة على اتخاذ القرار بحرية تامة تبقى شرطًا أساسيًا لا يمكن الاستغناء عنه.
ومن النقاط المهمة التي حافظ عليها التشريع الفرنسي احترام حرية الضمير لدى العاملين في القطاع الصحي، إذ منح الأطباء والممرضين الحق في الامتناع عن المشاركة في أي إجراء يتعلق بإنهاء الحياة إذا كان ذلك يتعارض مع قناعاتهم الأخلاقية أو الدينية، من دون أن يتعرضوا لأي ملاحقة أو عقوبة، مع ضمان إحالة المريض إلى جهة أخرى تستطيع متابعة الطلب وفقًا للقانون.
وقد أعاد القانون إلى الواجهة النقاش القديم حول الفرق بين «القتل الرحيم» و«الانتحار بمساعدة الطبيب»، وهما مفهومان يختلطان أحيانًا في الخطاب العام. ففي القتل الرحيم يتولى الطبيب بنفسه إعطاء المادة التي تؤدي مباشرة إلى وفاة المريض، بينما يقتصر دور الطبيب في الانتحار بمساعدة الطبيب على توفير الدواء، ويقوم المريض بنفسه بتناوله. 

أما القانون الفرنسي الجديد فيعتمد بصورة رئيسية على النموذج الثاني، مع استثناء محدود يسمح للطبيب بالتدخل فقط عندما يكون المريض غير قادر جسديًا على تناول الدواء بنفسه.
ولا تُعد فرنسا الدولة الأولى التي تعتمد مثل هذا التشريع، إذ سبقتها عدة دول إلى تنظيم هذا المجال بقوانين مختلفة. فقد شرّعت هولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ القتل الرحيم منذ سنوات، ثم لحقت بها إسبانيا وكندا ونيوزيلندا وكولومبيا والإكوادور، كما تسمح بعض الولايات الأسترالية، وعدد من الولايات الأمريكية، بالمساعدة الطبية على إنهاء الحياة وفق شروط تختلف من ولاية إلى أخرى، مع وجود تباينات كبيرة بين الأنظمة القانونية من حيث الفئات المشمولة والإجراءات المطلوبة والرقابة الطبية والقضائية.
ورغم هذه التشريعات، لا يزال الجدل قائمًا في مختلف أنحاء العالم. فالمؤيدون يعتبرون أن الإنسان يجب أن يمتلك حق اختيار نهاية حياته عندما تصبح المعاناة غير محتملة ولا أمل في الشفاء، ويرون في ذلك احترامًا للكرامة الإنسانية والاستقلال الشخصي. أما المعارضون فيؤكدون أن واجب الطب يتمثل في علاج المرضى وتخفيف آلامهم لا إنهاء حياتهم، ويحذرون من أن يؤدي توسيع هذه القوانين تدريجيًا إلى تعريض كبار السن أو الأشخاص ذوي الإعاقة أو المرضى الأكثر ضعفًا لضغوط مباشرة أو غير مباشرة تدفعهم إلى اختيار الموت بدلًا من تلقي الرعاية اللازمة.
وبين هذين الموقفين، يبقى القانون الفرنسي الجديد محطة مفصلية في النقاش العالمي حول مفهوم الحق في الحياة وحدود حرية الإنسان في تقرير مصيره، وهو نقاش لا يقتصر على الجوانب القانونية والطبية فحسب، بل يمتد إلى الفلسفة والأخلاق والدين، ومن المرجح أن يستمر لسنوات طويلة مع تطور الطب وازدياد متوسط العمر وتنامي الاهتمام بحقوق المرضى في مختلف أنحاء العالم.