
كان ستيفن هوكينغ واحدًا من أشهر علماء الفيزياء النظرية في العصر الحديث، لكن قصته لم تكن قصة عالم اكتشف أسرار الكون فحسب؛ بل كانت أيضًا قصة إنسان واجه مرضًا قاسيًا حدّ من قدرته على الحركة والكلام، من دون أن يتمكن من إطفاء فضوله أو إيقاف عقله عن طرح الأسئلة الكبرى حول أصل الكون وطبيعة الزمن والثقوب السوداء.
وُلد ستيفن وليام هوكينغ في أكسفورد عام 1942، وأظهر منذ شبابه اهتمامًا عميقًا بكيفية عمل الكون. درس العلوم الطبيعية في جامعة أكسفورد، ثم انتقل إلى جامعة كامبريدج، حيث بدأ مسيرته البحثية في الفيزياء النظرية وعلم الكونيات. وفي بداية العشرينيات من عمره، شُخّص بمرض العصبون الحركي، وهو مرض تدريجي يؤثر في التحكم بالعضلات، وقد أُبلغ آنذاك بأن أمامه سنوات قليلة فقط للعيش.
لكن هوكينغ تجاوز التوقعات الطبية واستمر في العمل العلمي لعقود طويلة. لم يكن المرض بالنسبة إليه مجرد عائق جسدي، بل أصبح تحديًا يوميًا فرض عليه أن يجد طرقًا جديدة للعمل والتواصل.
ومع تقدّم المرض، فقد القدرة على الكلام والحركة الطبيعية، خصوصًا بعد إصابته بالتهاب رئوي خطير عام 1985 وإجرائه عملية فغر القصبة الهوائية التي أفقدته صوته الطبيعي.
وبعد ذلك، ساعدته التكنولوجيا على التواصل من خلال نظام حاسوبي ومُركّب صوتي أصبح جزءًا من صورته الشهيرة أمام العالم. ومع ذلك، ظل عقله قادرًا على السفر أبعد بكثير من حدود جسده، إلى الأماكن التي لا تستطيع الأقدام الوصول إليها: أعماق الفضاء وبدايات الكون.
كان اهتمام هوكينغ الأكبر منصبًا على الأسئلة التي تحيط بالكون والثقوب السوداء. وبالتعاون مع عالم الرياضيات والفيزياء روجر بنروز، ساهم في تطوير نتائج مهمة حول المتفردات في النسبية العامة، وأظهر عملهما أن النظرية تقود إلى ظروف مرتبطة ببداية الكون في الانفجار العظيم وبالمناطق الداخلية للثقوب السوداء. وقد فتح هذا العمل الباب أمام مرحلة جديدة من أبحاث علم الكونيات.
لكن أشهر إسهاماته جاء في سبعينيات القرن العشرين، عندما درس ما يحدث للثقوب السوداء من منظور ميكانيكا الكم.
فقد توصل إلى نتيجة مذهلة مفادها أن الثقوب السوداء ليست «سوداء» بالكامل، بل يمكن أن تصدر إشعاعًا حراريًا نتيجة التأثيرات الكمية، وهو ما أصبح يعرف باسم إشعاع هوكينغ.
وكانت هذه الفكرة ثورية لأنها جمعت في إطار واحد جوانب من النسبية العامة وميكانيكا الكم والديناميكا الحرارية، وهي مجالات تمثل بعضًا من أعمق الأسئلة في الفيزياء الحديثة.
لم يكن هوكينغ عالمًا يعيش داخل المختبرات والأبحاث الأكاديمية فقط، بل كان يريد أن يجعل الأسئلة العلمية الكبرى قريبة من الإنسان العادي.
ولهذا حقق كتابه «تاريخ موجز للزمن» انتشارًا عالميًا واسعًا، وحاول من خلاله أن يشرح بطريقة مبسطة قضايا مثل نشأة الكون والزمن والثقوب السوداء، وأن يدعو القارئ إلى النظر إلى السماء لا باعتبارها مساحة بعيدة وغامضة فحسب، بل باعتبارها مجالًا يمكن للعقل البشري أن يحاول فهمه.
ومع مرور السنوات، أصبح هوكينغ رمزًا عالميًا لقدرة الإنسان على تجاوز الحدود التي يفرضها الواقع. وقد أكد في أكثر من مناسبة أن الإعاقة لم تمنعه من التفكير والإنجاز، بل دفعته إلى ابتكار وسائل جديدة للقيام بما يريد.
وفي عام 2007، خاض تجربة انعدام الجاذبية خلال رحلة جوية خاصة، في لحظة رمزية عبّر فيها جسده للحظات عن الحرية التي طالما بحث عنها عقله في الفضاء. لم يحصل هوكينغ على جائزة نوبل، رغم شهرته العلمية الكبيرة، ويرتبط ذلك جزئيًا بأن بعض أهم أفكاره، ومنها إشعاع هوكينغ، لم تكن قد حصلت على تأكيد تجريبي مباشر يمكن أن يحقق متطلبات الجائزة.
لكنه حصل على العديد من التكريمات العلمية والمدنية، من بينها وسام الحرية الرئاسي الأمريكي عام 2009، كما استمر في البحث والتأليف والمحاضرات حتى سنواته الأخيرة.
رحل ستيفن هوكينغ في 14 آذار 2018، عن عمر 76 عامًا، بعد حياة تجاوزت بكثير التوقعات التي رافقت تشخيصه المبكر. لكن ما بقي منه لم يكن مجرد معادلات أو كتب؛ بقيت فكرة أكثر إنسانية:
أن قيمة الإنسان لا تُقاس بمدى قدرة جسده على الحركة، وإنما بما يستطيع عقله وإرادته أن يصلا إليه.
لقد عاش هوكينغ بجسد أصبح أكثر محدودية مع مرور الوقت، بينما كان عقله يتوسع نحو أبعد الأسئلة التي عرفتها البشرية. وبين كرسيه المتحرك وصور المجرات والثقوب السوداء، كتب قصة استثنائية تقول إن الجسد قد يضع حدودًا للحركة، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يضع حدودًا للفكر.
ستيفن هوكينغ لم ينتصر على الجسد بمعنى أنه أوقف المرض، بل انتصر على الفكرة التي تقول إن المرض يستطيع أن يوقف الإنسان عن الحلم والتفكير وصناعة الأثر.