البيض في العالم… من الغذاء اليومي إلى «بيضة المئة عام»

يُعدّ البيض من أكثر الأغذية استهلاكًا في العالم، إلا أن معدلات استهلاكه تختلف بصورة كبيرة من دولة إلى أخرى تبعًا للعادات الغذائية والثقافة وتوافر المنتج ومستوى الدخل. وتُظهر بيانات حديثة لعام 2024 أن الصين والمكسيك وإندونيسيا من بين أعلى الدول في استهلاك بيض المائدة للفرد، مع نحو 25 كيلوغرامًا للفرد في الصين، و24 كيلوغرامًا في المكسيك، و23 كيلوغرامًا في إندونيسيا.
وتشير بيانات أخرى صادرة عن منظمة البيض العالمية إلى أن المكسيك والأرجنتين وكولومبيا وإندونيسيا واليابان تتجاوز مستوياتها 300 بيضة للفرد سنويًا، ما يجعل هذه البلدان من أكثر المجتمعات اعتمادًا على البيض في نظامها الغذائي.
لكن عندما نتحدث عن البيض المعتّق أو المحفوظ لأسابيع أو أشهر، فإن الصورة تتغير، وتبرز بصورة خاصة الصين وهونغ كونغ وتايوان وبعض دول جنوب شرق آسيا.
الصين… موطن أشهر البيض المعتّق
تحتل الصين موقعًا خاصًا في عالم البيض المحفوظ، ولا سيما ما يعرف باسم Pidan (皮蛋)، أو «بيضة المئة عام» أو «البيضة الألفية». ورغم الاسم المثير، فإن البيضة لا تُحفظ مئة عام ولا ألف عام؛ وإنما تخضع لعملية حفظ قلوية تستمر عادةً عدة أسابيع إلى بضعة أشهر، بحسب طريقة التصنيع.
وتُعد هذه البيضة جزءًا معروفًا من المطبخ الصيني، وتُستهلك في مناطق مختلفة من البلاد، كما تظهر في أطباق مثل العصيدة الصينية، وتُقدّم أحيانًا مع التوفو والزنجبيل وصلصة الصويا أو زيت السمسم.
واللافت أن الصين لا تستهلك البيض الطازج بكميات ضخمة فحسب، بل تمتلك أيضًا تقليدًا راسخًا في معالجة البيض وحفظه. وتذكر مراجع متخصصة أن نحو 1.5 مليون طن من بيض البط الطازج كانت تُحوّل سنويًا إلى البيض المحفوظ في الصين وفق بيانات منشورة في الدراسات الغذائية المتخصصة.
هونغ كونغ وتايوان… البيضة المعتّقة جزء من المطبخ اليومي
في هونغ كونغ وتايوان، لا تُعامل بيضة الـPidan باعتبارها طعامًا غريبًا أو تجربة استثنائية، بل تدخل في عدد من الأطباق التقليدية. وتظهر في المطبخ الكانتوني خصوصًا مع العصيدة والأطباق الباردة، بينما تُستخدم في تايوان مع التوفو الطري والزنجبيل وصلصة الصويا وزيت السمسم.
ولهذا يمكن القول إن شرق آسيا هو المركز الثقافي الأهم للبيض المحفوظ، وليس من الدقيق إعداد ترتيب عالمي للدول حسب استهلاك «بيض المئة عام» تحديدًا، لأن الإحصاءات الدولية عادةً تجمع منتجات البيض ولا تفصل الـPidan في رقم مستقل لكل دولة.

تايلاند وماليزيا وفيتنام… تقليد آسيوي واسع
انتقل تقليد البيض المحفوظ إلى أجزاء واسعة من جنوب شرق آسيا، وأصبح معروفًا خصوصًا في تايلاند وماليزيا وفيتنام، إلى جانب مجتمعات آسيوية أخرى. وتؤكد الدراسات الغذائية أن البيض المحفوظ المعروف بـPidan يحظى بشعبية في الصين وفي عدد من دول شرق وجنوب شرق آسيا.
وفي هذه المنطقة توجد أيضًا طرق أخرى غير الـPidan لحفظ البيض، مثل البيض المملح وبيض البط المحضّن المعروف باسم Balut، وهو مختلف تمامًا عن بيضة المئة عام، لكنه يوضح مدى تنوع ثقافة استهلاك البيض في آسيا.
لكن لماذا يسمّى «بيض المئة عام»؟
الاسم قد يكون مضللًا جدًا. فالبيضة ليست قديمة لعشرات أو مئات السنين، وإنما سُميت بهذا الاسم في التداول الشعبي بسبب طول فترة حفظها مقارنة بالبيض الطازج.
وخلال عملية الحفظ، تتفاعل المواد القلوية مع مكونات البيضة، فتتحول بياض البيضة إلى مادة هلامية شفافة داكنة تميل إلى البني أو الأسود، بينما يتحول الصفار إلى قوام كريمي ولون أخضر داكن أو رمادي. وتظهر أحيانًا أنماط بلورية تشبه أغصان الثلج أو أزهار الصنوبر، ولهذا تسمى في الصينية أيضًا «بيضة زهرة الصنوبر».
هل البيضة معتّقة فعلًا أم مخمّرة؟
من الأخطاء الشائعة وصف الـPidan بأنها «بيضة فاسدة» أو «بيضة عمرها مئة سنة». الحقيقة أكثر تعقيدًا؛ فهي بيضة محفوظة خضعت لتحول كيميائي نتيجة الوسط القلوي، وليس مجرد بيضة تُترك حتى تتعفن.
تقليديًا، كانت عملية الحفظ تعتمد على خليط من مواد مثل الطين والرماد والملح والجير، بينما تستخدم طرق حديثة محاليل قلوية مضبوطة. وتؤدي المواد القلوية إلى تغيير بنية البروتينات داخل البيضة وتحويلها إلى القوام واللون المميزين.
والصين تتصدر المشهد بطريقتين
المفارقة أن الصين تجمع بين أحد أعلى مستويات استهلاك البيض الطازج في العالم وبين واحد من أشهر تقاليد حفظ البيض. وهذا يجعل البيضة هناك أكثر من مجرد غذاء؛ فهي جزء من تاريخ المطبخ الصيني وتقنيات حفظ الطعام التي تطورت قبل انتشار وسائل التبريد الحديثة.
أما عالميًا، فإن المكسيك وإندونيسيا واليابان وغيرها من الدول تسجل مستويات مرتفعة جدًا في استهلاك البيض، لكن البيض المعتّق تحديدًا يرتبط ثقافيًا بصورة أكبر بالصين وشرق آسيا.
إذا كان السؤال هو: من أكثر دول العالم استهلاكًا للبيض؟ فالصين والمكسيك وإندونيسيا واليابان والأرجنتين وكولومبيا من أبرز الدول ذات الاستهلاك المرتفع، مع اختلاف الترتيب بحسب السنة وطريقة القياس. أما إذا كان السؤال عن البيض المعتّق والمحفوظ، وخصوصًا «بيضة المئة عام»، فإن الصين تأتي في قلب هذه الثقافة، تليها مناطق مثل هونغ كونغ وتايوان، وتمتد العادة إلى تايلاند وماليزيا وفيتنام وغيرها من أجزاء آسيا.
والأغرب في القصة أن ما يبدو للعين كأنه بيض أسود قديم ليس نتاج قرون من الانتظار، بل نتيجة تقنية تقليدية دقيقة استطاع الإنسان من خلالها تحويل البيضة الطازجة إلى غذاء مختلف تمامًا في اللون والقوام والطعم.