
يُعد خلد الماء، المعروف عالميًا باسم البلاتيبوس (Platypus)، واحدًا من أغرب الحيوانات التي عرفها الإنسان وأكثرها إثارة للدهشة.
فعندما شاهد العلماء الأوروبيون أول عينة منه في أواخر القرن الثامن عشر، اعتقد كثير منهم أنها مزيفة، إذ بدا وكأنه مخلوق جُمعت أجزاؤه من عدة حيوانات مختلفة. فهو يمتلك منقارًا يشبه منقار البط، وذيلًا عريضًا يشبه ذيل القندس، وأقدامًا مكففة تساعده على السباحة، بينما يغطي جسمه فراء كثيف وناعم يحافظ على حرارة جسمه في المياه الباردة.
وينتمي خلد الماء إلى مجموعة نادرة جدًا من الثدييات تُعرف باسم الثدييات الأولية (Monotremes)، وهي المجموعة الوحيدة من الثدييات التي تتكاثر بوضع البيض بدلًا من الولادة. وتضع الأنثى عادةً بيضة واحدة إلى ثلاث بيضات داخل جحر محفور على ضفاف الأنهار، ثم تحتضنها حتى تفقس.
وبعد ذلك تُرضع صغارها، إلا أنها لا تمتلك حلمات، بل يفرز الحليب عبر مسام خاصة في الجلد، فتلعقه الصغار من فراء الأم.ويعيش خلد الماء في شرق أستراليا، بما في ذلك ولاية تسمانيا، حيث يفضل الأنهار والجداول والبحيرات العذبة ذات المياه النظيفة والهادئة. ويقضي معظم وقته في الماء بحثًا عن الغذاء، بينما يحفر جحورًا طويلة في ضفاف الأنهار يختبئ فيها للراحة وتربية صغاره.
ويُعد وجوده مؤشرًا على سلامة البيئة المائية، لأن هذا الحيوان لا يستطيع العيش في المياه الملوثة.ويتغذى البلاتيبوس على الكائنات الصغيرة التي تعيش في قاع الأنهار، مثل يرقات الحشرات والديدان والروبيان النهري والقشريات والرخويات الصغيرة.
وأثناء الغوص يغلق عينيه وأذنيه وفتحات أنفه، ويعتمد على مستقبلات كهربائية دقيقة موجودة في منقاره تمكنه من اكتشاف الإشارات الكهربائية الصادرة عن فرائسه حتى في المياه العكرة، وهي قدرة نادرة جدًا بين الثدييات.ومن أكثر صفاته غرابة أن الذكر يحمل شوكة حادة في كل رجل خلفية متصلة بغدة تفرز سمًا، يستخدمه للدفاع عن نفسه أو أثناء التنافس مع الذكور الأخرى في موسم التزاوج. ورغم أن هذا السم لا يكون قاتلًا للإنسان عادة، فإنه يسبب ألمًا شديدًا قد يستمر أيامًا أو حتى أسابيع.
ويبلغ طول خلد الماء نحو 40 إلى 60 سنتيمترًا، ويزن ما بين كيلوغرام واحد وثلاثة كيلوغرامات تقريبًا، ويمكنه البقاء تحت الماء لمدة تصل إلى دقيقة أو دقيقتين قبل أن يعود إلى السطح للتنفس. كما يتمتع بقدرة كبيرة على السباحة بفضل أقدامه المكففة وذيله الذي يساعده على التوازن وتخزين الدهون.
ورغم أن خلد الماء لا يُعد من الحيوانات المهددة بالانقراض على المستوى العالمي، فإن أعداده تراجعت في بعض المناطق نتيجة تلوث الأنهار، وبناء السدود، والجفاف، وتغير المناخ، وتدمير الموائل الطبيعية.
لذلك تُبذل جهود كبيرة في أستراليا لحماية بيئته والحفاظ على هذا الحيوان الفريد، الذي يمثل أحد أشهر رموز الحياة البرية الأسترالية.
ويظل البلاتيبوس مثالًا رائعًا على تنوع الكائنات الحية وقدرة الطبيعة على إنتاج أشكال مدهشة من الحياة، حتى وصفه كثير من العلماء بأنه أحد أكثر الحيوانات غرابة وإبهارًا على وجه الأرض، إذ يجمع في جسد واحد خصائص تبدو وكأنها مستعارة من عدة مخلوقات مختلفة، لكنه في الحقيقة تحفة طبيعية متكاملة تؤكد أن الواقع قد يكون أغرب من الخيال.