قراءة في لوحة "سراب" للفنان إسماعيل أبو ترابه.

بقلم: عامر الخطيب


"حين يتوهج الغياب" في عالم الفن التشكيلي، ثمة لوحات تُخاطبك من بعيد قبل أن تقترب منها، وثمة لوحات تستدرجك إلى داخلها بهدوء ماكر، تُغلق خلفك الأبواب وتتركك وحيداً أمام أسئلتها... و"سراب" للفنان إسماعيل أبو ترابه من هذا النوع الثاني الذي لا يُعلن عن نفسه بصخب، بل يجلس في صمت العارف، ويتركك تكتشف بنفسك أنك دخلت منطقة لا تشبه ما ألفته عيناك، بل تشبه ما اعتاد عليه وجدانك في ساعات الوجد والتأمل.


تنهض اللوحة على بنيان إنشائي يعتمد التوتر المحسوب بين الشاقولي والأفقي، ففي العمق العلوي تسبح مساحات رحبة تميل إلى الانتشار الأفقي الهادئ، بينما تنبثق في المنتصف وما حوله عناصر شاقولية متوترة تشبه الأعمدة والصواري أو ظلال الكائنات الواقفة في ضباب الذاكرة، هذا التقابل بين الأفقي والشاقولي ليس عبثاً، إنه حوار قائم منذ فجر الفن بين السكون والحركة، بين الأرض والسماء، بين ما استقر وما لا يزال يسعى، وقد أحسن الفنان توزيع الثقل البصري بطريقة مدروسة؛ إذ يرتكز الجزء الأسفل على كتل داكنة متراصة تمنح اللوحة ثباتاً تحتياً، بينما يتخفف الجزء العلوي ويتمدد نحو الفضاء بألوان ذات شفافية رقيقة، حتى ليُخيَّل إليك أن اللوحة تتنفس من رأسها وتتجذر من قدميها، أما القرص الأحمر الصارخ في الزاوية اليمنى العليا، فهو حجر الزاوية البصري الذي يضبط ميزان التوتر في العمل كله، نقطة ثقل لونية تشدّ الفضاء المتشظي وتُرجعه إلى بؤرة واحدة يتمحور حولها معنى العمل وروحه.


تنبني اللوحة على منظومة لونية مركّبة التدرج، غنية في إيحاءاتها، قائمة على تعارضات مدروسة لا على انسجامات سهلة، فالقرص الأحمر، يتصدر المشهد كمرجع كوني؛ إنه الشمس حين يعتريها الغروب أو تكتنفها الغيوم الكثيفة، والأحمر في سلم القيم اللونية عنصرٌ لا يقبل الحياد، إنه الطاقة والنار والإرادة، غير أن الفنان هنا لم يُطلقه ساطعاً حاداً، بل قيّده في دائرة ناعمة تُلطف حرارته وتُحوّله من تهديد إلى دعوة، من صرخة إلى همس.

الأخضر في الجانب الأيسر، يأتي ثقيل العجين، يحمل في طياته نضارة الأرض وإصرار الحياة، لكنه ليس الأخضر الربيعي المبتهج، بل هو أخضر مُقلق يحمل رسائل الغابة الكثيفة وأسرار ما لا تُعلنه الطبيعة في وضح النهار، والأوكر والأصفر الباهت، اللذان يغمران المساحة العليا يُضفيان على الفضاء هالةً من الأثير والضباب الذهبي، مُستحضرَين من باطن الأرض القديمة، من لون التراب المحروق والذاكرة المتصلة بالجذور. 

وهذا اللون بالذات هو جسر الوعي في اللوحة، الذي يربط الأرضي بالسماوي، إما البنفسجي والليلكي المتسرّبان في المنتصف وما يحيط به هما أكثر ألوان العمل فلسفيةً وروحيةً؛ فالبنفسجي في تراث الرؤية اللونية حامل القدسية والغموض المقدس، هو لون ما بين الليل والنهار، ما بين المرئي والمجهول، ما بين القول والصمت، ولعل حضوره الكثيف في وسط اللوحة وقلبها هو ما يمنحها هذا الطابع من التعلق الروحي والشوق الميتافيزيقي الذي يُميّز أعمال الفنانين الذين يرسمون بروحهم قبل أن يرسموا بأيديهم،كما أن الأزرق في الأسفل، يمثّل عنصر الانفتاح على المجهول، إنه الماء أو السماء المقلوبة، يضع المشاهد على حافة تساؤل لا جواب له في مكان قريب، والأسود والبني الداكن، المتناثران في مناطق التوتر هما شهود العتمة الضرورية التي بدونها لا معنى للضوء، وهما يؤديان وظيفة بنائية حاسمة إذ يشدّان الكتل المتفككة ويمنعانها من الذوبان في الفضاء الكلي.
"سراب"... والسراب في الوجدان العربي ليس مجرد ظاهرة بصرية طبيعية، إنه استعارة ضاربة في أعماق التجربة الإنسانية، استعارة للأمل الذي يتراءى ثم يتلاشى، للوطن الذي يُستحضر في الغربة كصورة لا تُمسك، للحلم الذي يتقدم أمامك كلما تقدمت نحوه، وهذه اللوحة للفنان ابوترابه تُجسّد هذا المعنى بصرياً بامتياز، إذ لا تُقدّم مشهداً نهائياً مكتملاً، بل تُقدّم عالماً في طور التشكّل أو التلاشي، لا نعلم أهو ينبثق أم ينطفئ، يولد أم يحتضر، وفي هذا يلتقي العمل مع ذلك الخيط الإنساني العميق الذي تغزله أقلام الشعراء والمبدعين في كل زمان، على حد قول المتنبي "أغالب فيك الشوق والشوق أغلب".

        الفنان إسماعيل أبو ترابه.

إن روح هذا العمل وما تبثّه من مزيج الحنين والقلق والتساؤل والوجد الروحي، تُماهيه مع مقامَي "الحجاز" و"النهاوند"، ذلك أن مقام الحجاز يحمل في طياته وجع الصحراء وشوق المسافر وأنين الفراق، بينما يُضفي النهاوند ذلك الحزن الشفيف الذي لا يُثقل كاهلك بل يُسكنك في عالم بين اليقظة والحلم، وقد يتسرّب أحياناً نفسٌ من مقام "الراست" عبر الألوان الدافئة في أعلى اللوحة، كأنه ومضة أمل تلوح ثم تتوارى خلف غيوم الأوكر الثقيلة.


"سراب" ليست لوحة تُجيب، إنها لوحة تسأل بصوت خافت لكنه عميق الصدى، فيها من الغموض المقدس ما يجعلها تتجدد مع كل مشاهدة، ومن الصدق التشكيلي ما يجعلها تلمسك في مكان لا تصله الكلمات دائماً، لقد أبدع الفنان إسماعيل أبو ترابه في أن يجعل الغياب حاضراً، وأن يمنح السراب جسداً من الألوان، وروحاً من الصمت المُلوَّن.