
على الساحل اللبناني، حيث تلتقي صخور عمشيت بمياه البحر الأبيض المتوسط، تختبئ واحدة من أكثر الظواهر الطبيعية إثارةً للاهتمام، وهي مغارة الفقمة، وهي تجويف بحري صخري شكّل على مدى سنوات ملجأً طبيعيًا لفقمة الراهب المتوسطية، أحد أندر الثدييات البحرية في المنطقة وأكثرها تعرضًا لخطر الانقراض.
ولا تكمن أهمية المغارة في شكلها الجيولوجي فحسب، بل في كونها جزءًا من نظام بيئي ساحلي حساس، يجمع بين التكوينات الصخرية والمياه البحرية والكهوف الطبيعية التي يمكن أن توفر للفقمات أماكن للراحة والاختباء، وربما التكاثر.
وقد خلص تقرير علمي أُعدّ ضمن حملة Save Our Seals إلى أن مغارة عمشيت تتمتع بقيمة بيئية استثنائية باعتبارها موئلًا مناسبًا للراحة، وموقعًا محتملًا للتكاثر بالنسبة إلى فقمة الراهب المتوسطية.
لم تأتِ تسمية المغارة من شكلها أو من تاريخها الجيولوجي، وإنما ارتبط اسمها بالفقمة المتوسطية التي شوهدت داخلها وفي محيطها. وتشير تقارير بيئية إلى أن هذا النوع النادر اتخذ من الكهوف البحرية اللبنانية أماكن للراحة والاحتماء، وقد تم توثيق وجود الفقمة في مغارة عمشيت في مناسبات متعددة.
كما تمكنت جمعية «الأرض – لبنان» عام 2024، بالتعاون مع منظمة تركية متخصصة في حماية الفقمة، من تحديد إحدى الفقمات التي رُصدت في المغارة، وهي أنثى بالغة أُطلق عليها اسم Gülgez، ما أظهر أن المغارة مرتبطة بموائل أخرى للفقمة في شرق المتوسط. وتتميز المغارة بطبيعتها البحرية التي تجعل مياه البحر جزءًا من تكوينها ومشهدها الداخلي، فيما تسمح الفتحات الطبيعية بدخول الضوء إلى أجزاء منها. وقد ساهم هذا الموقع الجغرافي في جعلها مقصدًا لمحبي الطبيعة والتصوير والاستكشاف البحري، إضافة إلى قيمتها العلمية بالنسبة إلى الباحثين في البيئة البحرية.
تُعد فقمة الراهب المتوسطية Monachus monachus من أكثر الثدييات البحرية ندرة في البحر الأبيض المتوسط، وهي تعتمد على الكهوف والشواطئ الصخرية المنعزلة للراحة والاحتماء.
ولهذا فإن وجودها، ولو بصورة متقطعة، في موقع ساحلي مثل مغارة عمشيت يكتسب أهمية بيئية كبيرة.فالفقمة لا تحتاج فقط إلى مياه نظيفة وغذاء مناسب، بل تحتاج أيضًا إلى أماكن هادئة وآمنة بعيدة عن الضجيج والاقتراب البشري والأعمال الإنشائية. ومن هنا تصبح حماية المغارة أكبر من مجرد المحافظة على صخرة أو كهف؛ إنها حماية لموئل يمكن أن يؤدي دورًا في بقاء نوع بحري نادر في المنطقة.
خلال السنوات الماضية، تحولت مغارة الفقمة إلى محور نقاش واسع في لبنان بعدما بدأت أعمال حفر وبناء في العقار القريب منها. وتوقفت الأعمال في مراحل مختلفة إثر اعتراضات وتحركات بيئية وشعبية، فيما دار نقاش حول التراخيص والآثار البيئية المحتملة للمشروع.
وكانت تقارير إعلامية قد أشارت إلى أن أعمال البناء بدأت فوق أحد أطراف المغارة أو بالقرب منها، الأمر الذي دفع ناشطين وجمعيات بيئية إلى المطالبة بحمايتها. وفي المقابل، برز موقف آخر يؤكد أن العقار يملك تراخيص للبناء وأن الأعمال يجب أن تتم وفق الشروط القانونية والتقنية، مع اتخاذ إجراءات للحد من تأثير الحفر والاهتزازات على المغارة. وأكد رئيس بلدية عمشيت في تصريح سابق أن البلدية طلبت اتخاذ تدابير لمراقبة الاهتزازات واستخدام معدات مناسبة، مع التأكيد على عدم المس بالمغارة.
وهكذا لم تعد القضية مجرد خلاف حول مشروع عمراني، بل أصبحت نموذجًا واضحًا للإشكالية التي تواجهها المناطق الساحلية اللبنانية: كيف يمكن التوفيق بين حق الملكية الخاصة والتنمية العمرانية من جهة، وحماية المواقع الطبيعية والأنظمة البيئية النادرة من جهة أخرى؟
وتشير التقارير الأحدث إلى أن قضية المغارة ظلت مفتوحة خلال عام 2025، مع تجدد أعمال في محيطها أثارت اعتراضات بيئية وتحركات قانونية. وفي تشرين الثاني 2025، أُشير إلى صدور قرار قضائي بوقف أعمال الحفر والبناء في الموقع، قبل أن تتجدد التقارير في نيسان 2026 عن عودة أعمال البناء فوق العقار الواقع مباشرة فوق المغارة، ما أعاد الملف إلى الواجهة من جديد.
وتكشف هذه التطورات أن مغارة الفقمة لم تعد مجرد معلم طبيعي معروف في عمشيت، وإنما أصبحت اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة لبنان على إدارة موارده الساحلية وحماية تنوعه البيولوجي في ظل التوسع العمراني المتسارع.
تكمن قيمة مغارة الفقمة في أنها تجمع عناصر عدة في مكان واحد: جمال الساحل اللبناني، والتكوين الجيولوجي الطبيعي، والحياة البحرية، وإمكان وجود أحد أكثر الثدييات البحرية ندرة في المتوسط. ولذلك فإن التعامل معها يجب ألا يقتصر على النظر إليها كموقع سياحي، بل باعتبارها موئلًا طبيعيًا حساسًا يحتاج إلى إدارة علمية مستدامة.
وقد يكون الحل الحقيقي في وضع خطة واضحة للموقع تقوم على الدراسات العلمية الدقيقة، وتحديد نطاق حماية بيئي حول المغارة، ومراقبة الأنشطة الإنشائية والسياحية، وتنظيم الوصول إليها، مع إشراك البلديات والوزارات والباحثين والجمعيات البيئية وأصحاب الحقوق الخاصة في أي قرار يتعلق بمستقبلها.فالمغارة التي نحتتها الأمواج عبر الزمن لا يمكن استعادتها إذا تضررت، والفقمة التي تعود إليها لا يمكن إجبارها على العودة إذا فقدت الشعور بالأمان.
مغارة الفقمة في عمشيت ليست مجرد كهف على شاطئ البحر، بل نافذة صغيرة على ثروة بحرية لبنانية نادرة؛ وحمايتها تعني الحفاظ على جزء من الطبيعة التي لا يملك الإنسان حق استبدالها إذا اختفت.