“أَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا”…🍂،د. عماد الأعور🍀


أَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا… كَلِمَةٌ بَسِيطَةٌ، لَكِنَّهَا مِفْتَاحُ أَبْوَابِ السَّمَاءِ، بَذْرَةٌ زَرَعَهَا السَّيِّدُ المَسِيحُ فِي تُرَابِ القُلُوبِ، فَنَمَتْ فِي أَرْضِ الرُّوحِ، وَأَثْمَرَتْ جَنَّةَ الإِنْسَانِيَّةِ، جَنَّةَ الحَقِّ وَالخَيْرِ وَالجَمَالِ. لَيْسَتْ مُجَرَّدَ وَصِيَّةٍ تَتْلُوهَا الأَلْسُنُ، بَل هِيَ سُلَّمٌ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَرْتَقِيَ إِلَى سُكْنَى النُّورِ، وَبَابٌ لِمَنْ بَغَى أَنْ يَدْخُلَ رَوْضَةَ الرَّحْمَةِ. مَنْ أَحَبَّ غَيْرَهُ كَأَنَّهُ أَحَبَّ اللهَ، وَمَنْ كَرِهَ غَيْرَهُ كَأَنَّهُ كَرِهَ نُورَهُ. فَالمَحَبَّةُ مِيزَانُ الإِيمَانِ، وَهِيَ الدِّينُونَةُ وَالمِحْنَةُ وَالمَخْرَجُ وَالفَتْحُ.
المَحَبَّةُ أَصْلُ الوُجُودِ. لَوْلَا أَنَّ اللهَ أَفَاضَ مِنْ مَحَبَّتِهِ نُورًا، مَا كَانَتْ سَمَاءٌ تَدُورُ، وَلَا أَرْضٌ تَدُبُّ عَلَيْهَا أَحْيَاء، وَلَا رُوحٌ تَطْلُبُ الحَقَّ، وَلَا قَلْبٌ يَخْفِقُ بِالجَمَالِ. الكَوْنُ كُلُّهُ صَادِرٌ مِنْ هَذَا الفَيْضِ، وَالإِنْسَانُ شَاهِدٌ عَلَى أَسْرَارِهِ. إِذَا مَدَدْتَ يَدَكَ لِغَيْرِكَ بِمَحَبَّةٍ، فَقَدْ مَدَدْتَهَا إِلَى اللهِ، وَإِذَا طَبَعْتَ عَلَى وُجُودِ أَخِيكَ قُبْلَةَ رَحْمَةٍ، فَإِنَّكَ قَبَّلْتَ وَجْهَ الخَالِقِ نُورًا وَجَلَالًا.
أَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا… فَالمَحَبَّةُ هِيَ الجَنَّةُ، وَمَنْ أَغْفَلَهَا سَقَطَ فِي جَحِيمِ النَّفْسِ. فَالجَحِيمُ لَيْسَ نَارًا تَأْكُلُ الأَجْسَادَ، بَلْ هُوَ بُغْضٌ يَأْكُلُ الأَرْوَاحَ، وَحِقْدٌ يُفَرِّغُ القُلُوبَ مِنْ نُورِهَا. وَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ عَاشَ فِي قُصُورٍ فَاخِرَةٍ وَهُوَ مُحْتَرِقٌ فِي نَارِ عَدَاوَتِهِ، وَكَمْ مِنْ بَشَرٍ تَجَرَّدَ مِنَ المُلْكِ وَهُوَ فِي نَعِيمٍ لِأَنَّهُ أَحَبَّ وَغَفَرَ وَرَحِمَ.
المَحَبَّةُ هِيَ نَفْسُ الحَيَاةِ. مَنْ غَرَسَهَا فِي صَدْرِهِ، أَنْبَتَتْ فِيهِ أَشْجَارَ السَّكِينَةِ، وَأَثْمَرَتْ فِي رُوحِهِ زُهُورَ الوِدَادِ. وَمَنْ قَطَعَ عَنْهَا مَاءَ الرُّوحِ، جَفَّتْ فِي قَلْبِهِ التُّرْبَةُ، وَمَاتَتْ فِيهِ الأَغَانِي، وَتَحَوَّلَ إِلَى صَخْرَةٍ صَمَّاء لَا تَرِقُّ لِبُكَاءٍ وَلَا تَهْتَزُّ لِجَمَالٍ. فَالمَحَبَّةُ لَيْسَتْ مَشَاعِرَ عَابِرَةً، بَلْ هِيَ نَفَسُ الخَالِقِ فِي الكَائِنِ، وَمَا الإِنْسَانُ إِلَّا آنِيَةٌ تُفِيضُ بِمَا أُودِعَ فِيهَا.
وَالمَحَبَّةُ نُورٌ، وَالنُّورُ يَكْشِفُ وَيُضِيءُ وَيَسْتُرُ وَيُزَكِّي. النُّورُ يَكْشِفُ كُلَّ زَيْفٍ، فَلا يَسْتَطِيعُ الكَذِبُ أَنْ يَخْتَبِئَ عَنْهُ، وَلا يَقْوَى الظُّلْمُ عَلَى إِطْفَائِهِ. وَهُوَ يُضِيءُ كُلَّ طَرِيقٍ، فَيَهْدِي الحَائِرَ، وَيُسَلِّي الكَئِيبَ، وَيَرْفَعُ عَنِ البَصِيرَةِ غِشَاوَةَ الضَّلَالِ. وَهُوَ يَسْتُرُ، فَيَحْمِلُ الخَطَايَا فِي رَحْمَتِهِ كَمَا يَسْتُرُ اللَّيْلُ عَوْرَةَ الأَرْضِ، وَيَزُكِّي، فَيَجْعَلُ القُلُوبَ أَنْقَى وَالأَنْفُسَ أَرْقَى وَالأَرْوَاحَ أَصْفَى.
إِذَا أَحْبَبْتَ، تَحَوَّلْتَ إِلَى مِرْآةٍ لِوَجْهِ الحَقِّ، وَإِلَى نَغْمَةٍ فِي سِيمْفُونِيَّةِ الوُجُودِ، وَإِلَى نَجْمَةٍ فِي سَمَاءِ النُّورِ. إِذَا أَحْبَبْتَ، كَأَنَّكَ عُدْتَ إِلَى أَصْلِكَ الأَوَّلِ، إِلَى نَفْسِ النُّورِ الَّذِي خُلِقْتَ مِنْهُ. المَحَبَّةُ هِيَ الذِّكْرُ الأَزَلِيُّ فِي الوُجُودِ، ذِكْرُ الوَصْلِ قَبْلَ أَنْ يَقْطَعَنَا الجَسَدُ عَنِ الجَسَدِ، وَذِكْرُ التَّوْحِيدِ قَبْلَ أَنْ يُفَرِّقَنَا الغُرُورُ وَالوَهْمُ.
المَحَبَّةُ تَجْعَلُ الإِنْسَانَ إِنْسَانًا. مَنْ أَغْفَلَهَا فَقَدْ سَقَطَ إِلَى دَرَكِ البَهِيمَةِ، وَمَنْ أَحْيَاهَا فِي صَدْرِهِ فَقَدْ تَعَالَى إِلَى دَرَجَاتِ المَلَكِ. وَالَّذِي يَجْمَعُ النَّاسَ فِي خَيْرٍ وَإِخَاءٍ أَعْظَمُ مِمَّنْ يُفَرِّقُهُمْ فِي أَطْمَاعٍ وَعَدَاوَةٍ. لِذَلِكَ كَانَتِ الوَصِيَّةُ كَلِمَةً وَاحِدَةً: “أَحِبُّوا”. لِأَنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ تَكْفِي لِإِصْلَاحِ الأَرْضِ كُلِّهَا، وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ أَخَذُوهَا عَلَى مَحْمَلِ الجِدِّ، لَمَا كَانَتْ حُرُوبٌ وَلَا ظُلُمَاتٌ وَلَا مَجَاعَاتٌ وَلَا مَقَابِرُ تَسْتَزِيدُ.
المَحَبَّةُ تَتَجَاوَزُ كُلَّ حُدُودٍ. فَلَا تَسْأَلْ مَنْ تُحِبُّ: أَهُوَ مِنْ قَبِيلَتِكَ أَمْ مِنْ غَيْرِهَا؟ أَمْ مِنْ فِكْرِكَ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ؟ أَمْ مِنْ لَوْنِكَ أَمْ مِنْ لَوْنٍ آخَرَ؟ فَالمَحَبَّةُ أَعْظَمُ مِنَ التَّقْسِيمَاتِ، وَأَرْفَعُ مِنَ الجُدْرَانِ. هِيَ نُورٌ، وَالنُّورُ لَا يَسْأَلُ عَمَّنْ يَسْتَضِيءُ بِهِ. الشَّمْسُ تُعْطِي ضِيَاءَهَا لِلصَّالِحِ وَالطَّالِحِ، لِلصَّادِقِ وَالكَاذِبِ، لِمَنْ آمَنَ وَمَنْ كَفَرَ، لِأَنَّهَا فَيْضٌ مِنْ فَيْضِ الحَقِّ. فَكُنْ أَنْتَ أَيْضًا شَمْسًا تُشْرِقُ بِمَحَبَّتِكَ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ، فَتُصْبِحُ كَالعَطَاءِ الإِلَهِيِّ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ.
وَالمَحَبَّةُ غُفْرَانٌ. فَمَنْ لَمْ يَغْفِرْ لِغَيْرِهِ كَأَنَّهُ أَغْلَقَ بَابَ السَّمَاءِ عَنْ نَفْسِهِ. مَنْ لَمْ يَغْفِرْ، سَيَبْقَى أَسِيرًا فِي سِجْنِ الكُرْهِ، وَمَنْ غَفَرَ، فَقَدْ كَسَرَ قُيُودَ النَّفْسِ وَانْطَلَقَ حُرًّا فِي فَضَاءِ الرُّوحِ. فَالمَغْفِرَةُ مِفْتَاحُ الحُرِّيَّةِ، وَمَنْ غَفَرَ فَقَدْ عَانَقَ اللهَ بِرُوحِهِ.
المَحَبَّةُ شَجَاعَةٌ. لِأَنَّهَا تَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ تُسْقِطَ جُدْرَانَ الأَنَا، وَأَنْ تَنْظُرَ فِي عَيْنِ أَخِيكَ كَمَا تَنْظُرُ فِي عَيْنِ اللهِ. لَيْسَ مِنَ السَّهْلِ أَنْ تُحِبَّ مَنْ أَذَاكَ، وَلَكِنَّ فِي ذَلِكَ سِرَّ التَّجَلِّي وَالمَقَامِ. المَحَبَّةُ تَطْلُبُ قُوَّةً أَعْظَمَ مِنْ قُوَّةِ الجُيُوشِ، هِيَ قُوَّةُ التَّجَرُّدِ وَالتَّسْلِيمِ لِنُورِ الخَالِقِ.
أَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا… فَإِذَا أَحْبَبْتُمْ تَعَالَيْتُمْ، وَإِذَا تَعَالَيْتُمْ شَهِدْتُم، وَإِذَا شَهِدْتُم عَرَفْتُم أَنَّ النُّورَ وَاحِدٌ وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الطُّرُقُ، وَأَنَّ الرُّوحَ وَاحِدَةٌ وَإِنْ تَفَاوَتَتِ الأَجْسَادُ، وَأَنَّ الغَايَةَ وَاحِدَةٌ وَهِيَ الوَصْلُ بِالحَقِّ.

اَللَّهُمَّ، يَا مَنْ جَعَلْتَ الْوُجُودَ فَيْضًا مِنْ نُورِ مَحَبَّتِكَ،وَصَيَّرْتَ الحَاضِرَ مَجْلًى لِذِكْرِكَ وَأَنْفَاسَ قُرْبِكَ،نَسْأَلُكَ أَنْ يَكُونَ حَاضِرُ وُجُودِنَا الآنِيّ دَائِمًا مَحَبَّةً خَالِصَةً صَافِيَةً،تَنْبُعُ مِنْ ذِكْرٍ دَائِمٍ لِمُبْدِعِ الكَوْنِ وَمُنْشِئِ النُّورِ.
فَإِنْ كَانَ حَاضِرُنَا الآنِيّ مَحَبَّةً مَصْدَرُهَا ذِكْرُكَ،فَقَدْ صِرْنَا بَيْنَ يَدَيْكَ، تَعَالَيْتَ عَمَّا يَصِفُونَ،وَإِذَا كُنَّا بَيْنَ يَدَيْكَ، فَنَحْنُ نُورٌ وَنُورٌ وَنُورٌ،نُورُ الرَّحْمَةِ، وَنُورُ الحَقِّ، وَنُورُ الجَمَالِ.
اَللَّهُمَّ اجْعَلْنَا ذِكْرًا يَنْطِقُ بِالمَحَبَّةِ،وَنَفَسًا يَتَصَاعَدُ فِي سُلَّمِ النُّورِ،وَوُجُودًا يَسْكُنُ فِي حَضْرَةِ فَيْضِكَ،فَتَكُونُ أَيَّامُنَا كُلُّهَا بُقْعَةً مِنْ سَلَامٍ،وَلَحَظَاتُنَا كُلُّهَا شُعَاعًا مِنْ حَقٍّ وَمَوَدَّةٍ.آمِينَ يَا نُورَ النُّورِ.