إليزابيث ماغي... المرأة التي ابتكرت اللعبة التي أصبحت «مونوبولي»

حين نسمع اسم مونوبولي، يتبادر إلى الذهن فورًا لوح اللعبة الشهير، وشراء العقارات، وجمع الأموال، ومحاولة امتلاك أكبر قدر من الممتلكات. 

لكن وراء هذه اللعبة العالمية قصة امرأة لم تحاول في البداية أن تصنع لعبة تجارية تحقق الأرباح، بل أرادت أن تستخدم اللعبة لتشرح للناس فكرة اقتصادية واجتماعية.

إنها إليزابيث ج. ماغي فيليبس، المعروفة باسم «ليزي ماغي»، وهي مخترعة ومصممة ألعاب أمريكية وُلدت عام 1866، وقد ارتبط اسمها بتاريخ اللعبة التي تطورت لاحقًا إلى «مونوبولي». 

كانت ماغي مهتمة بالأفكار الاقتصادية المتعلقة بملكية الأراضي وتركّز الثروة في أيدي فئة محدودة. وتأثرت بأفكار الاقتصادي الأمريكي هنري جورج، الذي دعا إلى إصلاح نظام ملكية الأراضي والحد من المضاربات العقارية. 

ومن هنا جاءت فكرتها غير التقليدية: 

لماذا لا تحوّل هذه الأفكار الاقتصادية المعقدة إلى لعبة يستطيع الناس فهمها أثناء اللعب؟ وفي عام 1904 حصلت ماغي على براءة اختراع للعبة أطلقت عليها اسم The Landlord's Game – لعبة مالك العقار

كانت اللعبة تحتوي على مسار مربع يضم العقارات والسكك الحديدية والمرافق والضرائب، إلى جانب السجن وغيرها من العناصر التي ستصبح مألوفة لاحقًا في لعبة مونوبولي. 

لكن فكرة ماغي كانت مختلفة في جوهرها عن الصورة التي يعرفها اللاعبون اليوم. فقد صممت اللعبة بهدف إظهار تأثير احتكار الأراضي، ووضعت لها قواعد تسمح بإظهار نتائج مختلفة لنظام الملكية. 

وفي براءة الاختراع اللاحقة عام 1924 شرحت أن الهدف لم يكن الترفيه فقط، بل توضيح كيفية منح نظام ملكية الأراضي أفضلية للمالك وتشجيع التفكير في بدائل اقتصادية أخرى. 

ومع مرور السنوات، انتشرت نسخ من The Landlord's Game بين مجموعات وأفراد في الولايات المتحدة، وظهرت تعديلات مختلفة على اللعبة. وفي ثلاثينيات القرن العشرين وصلت إحدى النسخ المعدلة إلى تشارلز دارو، الذي طور نسخة مرتبطة بشوارع مدينة أتلانتيك سيتي، ثم قدمها إلى شركة Parker Brothers

وفي عام 1935 حصل دارو على براءة اختراع للعبة «Monopoly»، وبدأت الشركة تسويقها على نطاق واسع. وهنا تبدأ واحدة من أكثر القصص إثارة في تاريخ الألعاب. فلفترة طويلة ارتبط اسم تشارلز دارو باعتباره مخترع مونوبولي، بينما كانت مساهمة ماغي الأصلية أقل شهرة بكثير. 

وفي عام 1935 باعت ماغي حقوق لعبتها لشركة Parker Brothers مقابل 500 دولار، من دون عوائد مستمرة، بينما أصبحت اللعبة التي تطورت من أفكارها نجاحًا تجاريًا عالميًا. 

واللافت أن ماغي لم تكن تسعى في الأصل إلى صناعة لعبة تجعل اللاعبين يتنافسون على جمع أكبر قدر من الثروة، بل أرادت أن تجعل اللعبة وسيلة للتفكير في الملكية والاحتكار وعدم المساواة الاقتصادية

ولذلك تحمل قصتها مفارقة تاريخية: اللعبة التي صممتها لتوضيح مخاطر الاحتكار أصبحت واحدة من أشهر الألعاب التي تقوم على شراء العقارات والمنافسة على الثروة.ومع انتشار مونوبولي عالميًا، تراجعت قصة ماغي إلى الخلف لسنوات طويلة، قبل أن يعاد تسليط الضوء عليها من خلال أبحاث تاريخية ونقاشات حول أصول اللعبة. 

وقد ساهمت مؤسسات مثل مؤسسة سميثسونيان ومكتبة الكونغرس في توثيق هذه القصة المعقدة، التي لا تختصر ببساطة في شخص واحد، بل تتضمن ماغي ولعبتها الأصلية، وتعديلات لاحقة، ثم نسخة دارو التي أصبحت المنتج التجاري الشهير. 

رحلت إليزابيث ماغي عام 1948، ولم تحصل في حياتها على الشهرة التي رافقت اللعبة التي ارتبط تاريخها باختراعها. لكن قصتها أصبحت اليوم مثالًا على أن بعض الأفكار قد تحتاج إلى عقود حتى يُعاد اكتشاف أصحابها الحقيقيين.

إليزابيث ماغي لم تصنع مجرد لعبة؛ لقد حاولت أن تجعل من اللعب وسيلة لفهم الاقتصاد والمجتمع. وربما كانت المفارقة الأكبر أن العالم تذكّر اللعبة أكثر مما تذكّر المرأة التي وضعت بذرتها الأولى.