الأقليات بين التمثيل الشامل والحوكمة الفعّالة

سامي حلبي ناشط حقوقي وسياسي، وباحث اجتماعي


تتسم الديمقراطيات الحديثة بتوترٍ متزايد في صميم الحياة السياسية، يتمثل في الموازنة بين الرغبة في التمثيل الشامل والحاجة إلى حوكمة فعّالة. فمع تنامي التنوع الاجتماعي، وارتفاع منسوب الوعي السياسي، واتساع فضاءات التواصل الرقمي، تضاعف عدد الحركات والأحزاب والأصوات السياسية المتنافسة على النفوذ. 

ويعكس هذا الاتساع حيويةً ديمقراطية حقيقية، لكنه في الوقت نفسه يثير مخاوف جدية تتعلق بالتشرذم وعدم الاستقرار، وبقدرة الأنظمة السياسية على إنتاج سياسات عامة متماسكة ومستدامة. 

وعليه، لا يقتصر التحدي على البعد الوصفي—أي عدد الفاعلين السياسيين—بل يمتد إلى البعدين المعياري والمؤسسي: 

كيف يمكن للديمقراطيات تحويل التعددية إلى حوكمة فعّالة؟
تتناول هذه المقالة ما يمكن تسميته بـ«مفارقة التعددية». 

فمن جهة، تُعد التعددية السياسية ضمانة للمشاركة الواسعة، وحمايةً لمصالح الأقليات، وسدًّا أمام احتكار السلطة. 

ومن جهة أخرى، قد يؤدي الإفراط في التشرذم إلى إضعاف بناء التحالفات، وتراجع آليات المساءلة، وتآكل ثقة الجمهور بالمؤسسات العامة. 

وتتفاقم هذه الإشكاليات مع تراجع الدور التقليدي للخبراء، وصعود ما يمكن تسميتهم بـ«المواطنين متعددي المواهب»، الذين مكّنتهم المنصات الرقمية من التأثير، وإن كانوا في كثير من الأحيان منفصلين عن المعرفة المنهجية وأطر المساءلة المؤسسية. 

كما أن الطروحات التبسيطية، مثل تمجيد نظام الحزبين بوصفه أكثر استقراراً بطبيعته، تتجاهل التعقيد الاجتماعي، بل وقد تُخفي في بعض السياقات أزمات أعمق، كحالة الاستقطاب الحاد والإرهاق الديمقراطي.
ومن زاوية أخرى، لا يُعد نظام الحزبين معيباً في جوهره، بقدر ما يكون مقيّداً بقواعد معقدة حين تُختزل عملية اتخاذ القرار في فصيل واحد داخل الحزب الحاكم. 

وبدل النظر إلى التعددية السياسية كظاهرة مرضية ينبغي استئصالها، تدعو هذه المقالة إلى مقاربة أكثر دقة، تركز على التصميم المؤسسي، والثقافة السياسية، والظروف التي يمكن في ظلها للتنوع أن يتحول إلى مصدر لحكم بنّاء، لا إلى سبب للشلل السياسي. 

ومن خلال تناول قضايا التمثيل، والخبرة، وأنظمة الأحزاب بوصفها منظومة مترابطة، تسعى هذه المناقشة إلى تجاوز الثنائيات الزائفة، نحو تصور للديمقراطية يكون فيه الشمول والفعالية هدفين متكاملين لا متنافسين.

ان هذا المنشور يعبر عن صاحبه