الإنسان: الغاية التي تصبح وسيلة-إيمان أبو شاهين يوسف

الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف


منذ أن بدأ الإنسان يسأل عن معنى وجوده، ظل سؤال الغاية والوسيلة حاضراً في عمق تفكيره، وإن اختلفت صوره وتعددت أجوبته. 

فالغاية هي ما نتجه إليه ونعتبره جديراً بالسعي، أما الوسيلة فهي ما نستخدمه اللوصول الى تلك الغاية. وقد يبدو التمييز بينهما واضحاً في الأشياء، مثلاً: نستخدم المال وسيلة للحياة، والعلم وسيلة للمعرفة، والعمل وسيلة لتأمين حاجاتنا. 

لكن المسألة تصبح أكثر تعقيداً حين يكون موضوع الغاية والوسيلة هو الإنسان نفسه. هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل الإنسان مجرد وسيلة لغاية تتجاوزه، أم أنه هو الغاية التي ينبغي أن تُقاس بها كل الوسائل؟ 

لقد بلغ هذا السؤالوضوحاً فلسفياً خاصاً عند الفيلسوف إيمانويل كانط حين جعل ا1لإنسان غاية في ذاته، ورفض أن يُعامل بوصفه مجرد وسيلة لتحقيق غايات الآخرين. 

فالإنسان لا يفقد قيمته عندما يصبح فقيراً أو ضعيفاً أو مختلفاً أو عاجزاً عن تقديم منفعة؛ قيمته ليست فيما يُنتجه ولا فيما يملكه، بل في كونه إنساناً. و

من هنا يصبح تحويل الإنسان الى أداة للسلطة أو المال أو الجماعة أو الأيديسولوجيا أو حتى الطموح الشخصي إنقلاباً على معنى الغاية نفسها؛ لأن الوسيلة قد ابتلعت الغاية، وأصبح الإنسان يخدم شيئاً كان يُفترض أن يكون هو الذي يخدم الإنسان. 

لكن هناك وجهاً آخر للمسألة أكثر عمقاً: إذا كان الإنسان هو الغاية، فهل يستطيع أن يكون في الوقت نفسه وسيلة؟ نعم، ولكن بشرط أن يكون الإنسان وسيلة للإنسان، لا وسيلة عليه. 

هناك فرق هائل بين إنسان يستخدم إنساناً للوصول الى غايته، وإنسان يجعل من حياته وسيلة لكي ترتفع حياة الآخرين. 

الأول يحول الآخر الى أداة، أما الثاني فيحوِّل ذاته الى عطاء. الأول ينتقص من إنسانية الآخر، والثاني يوسِّع دائرة الإنسانية. ولذلك ليست كل وسيلة انحرافاً عن الغاية؛ فالوسيلة تصبح نبيلة حين تكون خادمة لغاية إنسانية، وحين لا تسحَق الإنسان في طريقها إليها. 

ومن هنا يمكن أن نفهم معنى مختلفاً للإنسانية: أن يكون الإنسان غاية في ذاته، ووسيلة الى تحقيق إنسانيته في الآخرين في الوقت نفسه. أن أساعدك لا لأنني أمتلكك، بل لأن إنسانيتك تعنيني؛ أن أختلف معك دون أن ألغي حقك في الإختلاف؛ أن أرى ألمَك دون أن أحتاج الى أن تكون شبيهاً بي كي أشعر بك؛ وأن أمدّ يديَّ إليك لأنني أرى فيك إنساناً مثلي، لا مشروعاً لتغييرك أو إخضاعك. وهنا يصبح الحب أكثر من عاطفة، والتسامح أكثر من فضيلة، والرحمة أكثر من موقف أخلاقي. 

إنها كلها وسائل لبناء الإنسان الذي نريد أن يكون غاية. فالمحبة التي لا تحترم حرية الآخر تتحول الى امتلاك، والتسامح الذي يتفضَّل به الأقوى على الأضعف قد يتحوَّل الى استعلاء، والرحمة التي تلغي كرامة من ترحمه قد تتحوّل الى إذلال مُقَنَّع. 

لذلك لا تكفي النوايا الحسنة؛ فالقيمة الحقيقية للوسيلة تتحدد بمدى حفاطها على كرامة الإنسان الذي تتوجه إليه. وفي هذا السياق يبرز السيد المسيح نموذجاً إنسانياً فريداً لفكرة الغاية والوسيلة. 

فبغض النظر عن الإختلافات اللاهوتية حول شخصه، يمكن النظر الى صورته في الأناجيل باعتبارها نوذجاً لإنسان لم يجعل الآخرين وسائل لتحقيق ذاته، بل جعل ذاته وسيلة لخدمة الإنسان. 

لم تكن قيمة رسالته في امتلاك القوة على الآخرين، بل في الإنحياز الى الإنسان؛ الى الضعيف والمهمش والخاطئ والمنبوذ. وفي جوهر تعاليمه تظهر المحبة لا باعتبارها شعوراً داخلياً فحسب، بل باعتبارها طريقة في التعامل مع الآخرين: أن ترى إنسانيته قبل خطئه، وأن تترك للإنسان إمكانية العودة، وأن لا تجعل اختلافه سبباً لإسقاد كرامته. ولهذا تبدو عبارة المسيح: " ليس لأحد حبٌ أعظم من هذا: أن يضع أحدٌ نفسه لأجل أحبائه" ذات دلالة تتجاوز معناها المباشر؛ فهي تُقدم صورة الإنسان الذي تتحول حياته نفسها الى وسيلة لغاية تتجاوزه. 

إنه لا يسأل فقط: مذا سأحصل عليه من الحياة؟ بل يسأل: 

ماذا يُمكن أن تُصبِح حياتي بالنسبة الى حياة الآخرين؟ 

وهنا تلتقي الصورة المسيحية مع سؤال فلسفي بالغ الأهمية: 

هل تبلغ الحياة معناها بما نأخذه منها، أم بما نضيفه إليها؟ 

إذا كان الإنسان غاية، فإنالمعرفة تصبح وسيلة لتحريرهمن الجهل، لا وسيلة للسيطرة عليه؛ والعلم يصبح وسيلة لتحسين الحياة، لا لإنتاج قوة تهددها؛ والإقتصاد يصبح وسيلة لتحقيق حياة كريمة، لا لتحويل الإنسان الى رقم؛ والسياسة تصبح وسيلة لتنظيم العيش المشترك، لا لإخضاع الإنسان. 

والمعرفة الصادقة تظل في مقدمة هذه الوسائل، لأنها تساعدنا على رؤية الإنسان كما هو، وعلى الإعتراف بحدود معرفتنا، ومقاومة الأحكام الجاهزة التي تختزل الآخر في هوية أو طائفة أو قومية أو موقف. 

وكلما اتسعت معرفتنا بالإنسان، اتسعت قدرتنا على فهم اختلافه دون أن نعتبر الإختلاف تهديداً. 

وربما كان أعظم ما تستطيع المعرفة أن تفعله هو أن تنقل الإنسان من سؤال: كيف أُخضِع الأخر؟ الى سؤال: كيف أفهمه؟ 

ومن هنا يُصبِح قبول الإختلاف شرطاً للسلام، لا تنازلً عنه. فالسلام الحقيقي ليس أن يصبح البشر متشابهين، بل أن يستطيع المختلفون أن يعيشوا معاً دون أن يحتاج أحدهم الى إلغاء الآخر. 

والمحبة الناضجة ليست أن أحب من يشبهني فقط؛ فذلك قد لا يكون أكثر من حب للذات في صورة أخرى, أما أن أستطيع أن أرى إنسانية من يختلف عني، وأن أحافظ على كرامته حتى عندما أرفض فكرته، فهنا تبدأ الإنسانية في تجاوز حدود الجماعة والهوية والإنتماء. ولعل هذا هو المعنى الأعمق لأن يصبح الإنسان وسيلة للإرتقاء بالإنسانية: أن تكون حياتي إضافة الى حياة الآخرين، لا عبئاً عليها؛ وأن تكون معرفتي طريقاً الى الفهم، وقوتي حماية للضعيف، وحريتي احتراماً لحرية غيري، واختلافي مساحة للحوار، وقدرتي على المسامحة فرصة للعودة، وحضوري في العالم سبباً لأن يكون أقل قسوة. 

واذا انتقلنا الى المجال الديني، فإن السؤال عن الغاية والوسيلة يأخذ بعداً آخر. فإذا كان الله هو الغاية، فهل يحتاج الى عبادة الإنسان لكي يكتمل أو ينتفع" القرآن الكريم يحسم هذه المسألة بقوله تعالى: ( ومن جاهد فإنما يُجاهد لِنفسه إن الله لغنيٌّ عن العالمين) فالعبادة والطاعة لا تضيف الى الله شيئاً، وإنما تعود ثمرتها الى الإنسان نفسه؛ تهذبه وترفعه وتُعيد توجيه علاقته بذاته  وبالآخر. 

ومن هنا يصبح الإنسان الأفضل عند الله، في المعنى الأخلاقي، ليس من يكتفي بأداء الطاعة، بل من تظهر آثارها في إنسانيته: أن يكون حسناً مع نفسه، رحيماً بغيره، نافعاً لمن حوله، صائناً للكرامة، قادراً على المحبة والتسامح وقبول الآخر. وفي هذا المعنى يرد الحديث الشريف: " الخلق كلهم عيال الله، فأحبهم الى الله أنفعهم لعياله". 

فحين تتحول العبادة الى محبة، والمحبة الى رحمة، والرحمة الى خدمة الإنسان، تصبح الوسيلة متصلة بالغاية: يرتقي الإنسان في نفسه، ويرتقي بغيره. وهكذا يعود الإنسان الى مركز المعادلة: هو الغاية، لكنه يستطيع أن يكون الوسيلة أيضاً. لا بمعنى أن يُستعمل، بل بمعنى أن يجعل من وجوده طريقاً لوجود إنساني أرقى. أن أكون وسيلة يعني أن أهب من معرفتي وخبرتي ووقتي وقدرتي ما يساعد إنساناً آخر على أن يعيش بصورة أفضل؛ وأن أكون غاية يعني أن أرفض في الوقت نفسه أن يُستخدم إنسان أو أن تُسحق كرامته بحجة الوصول الى إي غاية. 

ومن هنا تكتسب الرسالة التي نادى بهاالأديب سعيد أحمد أبو شاهين : "الإنسان هو الغاية وهو الوسيلة" معناها الأعمق؛ فالإنسان لا يكون وسيلة حين يُختزل الى أداة لتحقيق مصالح الآخرين، وإنما حين يجعل من ذاته طريقاً لخدمة الإنسان والإرتقاء بالإنسانية. المعرفة وسيلة، والمحبة وسيلة، والتسامح وسيلة، وقبول الآخر وسيلة، وكلها تفقد معناها إذا لم تنتهِ الى الإنسان وكرامته وسعادته وسلامه. 

وربما هنا تكمن القيمة الإنسانية العميقة للنموذج الذي يمثله المسيح: أن يجعل الإنسان من نفسه وسيلة دون أن يتخلى عن كرامته كغاية، وأن يجعل محبة الآخر امتداداً لاحترام الإنسان في ذاته. 

فالمسألة ليست أن نبحث عن إنسان كامل نقتدي به، ولا أن نحوِّل المسيح الى شعار، بل أن نقرأ في هذا النموذج سؤالاً مفتوحاً أمام الإنسان المعاصر: ماذا يحدث عندما لا تعود قيمة الحياة فيما نمتلكه أو ننتصر به على الآخرين، بل فيما نستطيع أن نمنحه للحياة دون أن نسلبها من أحد؟ عندها لا تصبح الإنسانية مجرد فكرة نتحدث عنها، بل علاقة نعيشها؛ ولا يعود السلام مجرد غياب للحرب، بل حضوراً للكرامة  والقبول والرحمة؛ ولا تعود المحبة مجرد إحساس، بل اختياراً يومياً للإنسان على حساب الإلغاء.؟ 

فالغاية في النهاية ليست شيئاً خارج الإنسان نصل إليه، والوسيلة ليست شيئاً نستهلكه في الطريق؛ إنهما يلتقيان في الإنسان نفسه: إنسان يصون إنسانيته، ويجعل من حياته وسيلة لصون إنسانيته، ويجعل من حياته وسيلة لصون حياة الآخرين. وعندما يصبح الإنسان غاية لا يجوز امتهانها، ووسيلة لا تستعمل بل تعطي، ربما يصبح الحب أقرب الى أن يكون قانوناً للعيش، ويصبح السلام نتيجة طبيعية لمعرفة الإنسان بقيمة الإنسان والإنسانية.