التخلّف: حين يفقد الإنسان قدرته على صناعة ذاته -إيمان أبو شاهين يوسف

ليس التخلف حالة من النقص المادي فحسب، ولا مقياساً لما يملكه مجتمع من ثروة أو تكنولوجيا أو أبنية حديثة. فقد تتوافر الوسائل، بينما يبقى الإنسان عاجزاً عن توظيفها في بناء حياة أكثر حرية وعدلاً ومعنى. والتخلف في جوهره الأعمق، هو أن يفقد المجتمع القدرة على إنتاج المعرفة التي يفهم بها واقعه، والمعايير التي يحاكم بها هذا الواقع، والوسائل التي يغير بها ما لم يعد صالحاً فيه. 

لهذا لا يمكن أن نسأل: لماذا لا نتقدم؟ بل ينبغي أن نسأل سؤالاً أشد جذرية: متى يفقد المجتمع قدرته على تصحيح نفسه؟ فالتقدم ليس غياب الخطأ، وإنما القدرة على اكتشافه ومراجعته. وكل مجتمع معرض لأن يخطئ، لكن الفارق أن مجتمعاً ما يحوِّل الخطأ الى معرفة، بينما يحوِّله آخر الى عادة؛ الأول يراجع مؤسساته حين تفشل، والثاني يبحث عن مبررات بقائها؛ الأول يسمح للسؤال بأن يهز ما استقر، والثاني يخشى السؤال لأنه يهدد ما اعتاد عليه. ومن هنا يبدأ التخلف حيت تتحول العادات الى حقائق، والموروث الى سلطة لا تُناقش، والأشخاص الى بديل عن المؤسسات، والتبرير الى وسيلة لحماية الواقع من النقد. 

وحين تتراكم هذه الحالات، لا يعود التخلف مشكلة واحدة يمكن علاجها بقرار واحد. يصبح بنية  يعيد بعضها إنتاج بعض: تعليم لا يدرِّب العقل على التفكير، ومؤسسات لا تستطيع تصحيح نفسها، واقتصاد يستهلك أكثر مما ينتج، وثقافة تنظر الى الإختلاف بوصفه تهديداً، وفرد يتعلم كيف يتكيف مع شروط حياته أكثر مما يتعلم كيف يغيّرها. لكن ثمة تحولاً أكثر عمقاً يحدث عندما يفقد المجتمع قدرته على إنتاج ذاته. فالإنسان لا يعيش بالخبز وحده، ولا بالمعرفة التقنية وحدها؛ إنه يحتاج أيضاً الى معنى يفسر به وجوده، وقيم يختار على أساسها، وذاكرة يعرف من خلالها كيف وصل الى حاضره، وأفق يتصور من خلاله مستقبله. وإذا عجز عن إنتاج هذه العناصر ومراجعتها، فإنه يبدأ باستهلاك ما ينتجه الآخرون له. 

وهنا تظهر إحدى أكثر ظواهر عصرنا تعقيداً. فوسائل الإتصال الحديثة فتحت للإنسان أبواباً هائلة الى المعرفة، لكنها في الوقت نفسه جعلت وعيه معرضاً لتدفق متواصل من الصور والمعلومات والرغبات والتصورات. ولم تعد المشكلة أن الإنسان محروم من المعلومات؛ بل أصبح أحياناً محاصراً بها الى درجة تعجز معها قدرته على التمييز. يمكن للرسالة المتكررة أن تصبح مألوفة، والمألوف أن يبدو صحيحاً، وللرغبة المصنوعة أن تبدو حاجة شخصية. 

وقد تتداخل المصالح الاقتصادية والسياسية والإعلامية والثقافية في تشكيل المجال الذي يتكون داخله وعي الإنسان. وليس من الضروري أن نفترض وجود عقل واحد يدير هذه العملية؛ يكفي أن ندرك أن الوعي الإنساني أصبح مجالاً للتأثير، وأن من يمتلك القدرة على التأثير في الإنتباه والرغبات والتصورات يمتلك جزءاً من القدرة على توجيه السلوك. 

وهنا تكمن المفارقة: قد يُمنح الإنسان حرية واسعة في الإختيار، بينما تضيق قدرته على السؤءال عن أصل الإختيارات التي تُعرض عليه. وقد يظن أنه يختار بين أشياء كثيرة، فيما يكون السؤال الأعمق قد غاب أصلاً: من الذي حدد له مجال الإختيار؟ إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع ليس أن يمنع أفراده من التفكير، بل أن يصبحوا قادرين على التفكير فقط داخل القوالب التي اعتادوا عليها أو قدمت إليهم. 

وعندما يفقد الإنسان صلته بتاريخه، ويضعف ارتباطه بمعاييره، وتتراجع قدرته على إنتاج المعرفة، ويتحول الى مستهلك دائم للأفكار والرغبات، يصبح أشبه بالمادة القابلة للتشكيل. عندها لا يحتاج التأثير الى إكراه؛ يكفيه فقط أن يجد وعياً فقد بعض أدوات مقاومته. لكن الخروج من هذه الحالة لا يكون بالإنغلاق، ولا بالخوف من العالم، ولا بتحويل الماضي الى حصن يحظر دخوله على الجديد. 

فالهوية التي تحتاج الى العزلة كي تحافظ على نفسها هوية هشة، والثقافة التي تخاف من السؤال تتحول الى قيد على صاحبها. كما أن قبول كل ما يأتي من الخارج ليس انفتاحاً، بل قد يكون شكلاً آخر من إشكال العجز. البديل هو الإستقلال الواعي: أن نفتح أبوابنا للعالم دون أن نسلمه مفاتيحنا، وأن نأخذ من تجارب الآخرين ما يثبت نفعه، وأن نراجع موروثنا دون احتقار، وان نستقبل الجديد بعقل لا يرفضه لمجرد أنه جديد ولا يقبله لمجرد أنه قادم من الخارج. 

وهنا يصبح التعليم أكثر من قطاع من قطاعات الدولة؛ يصبح خط الدفاع الأول عن إستقلال الإنسان. فالتعليم الذي يملأ الذاكرة ولا يبني القدرة على السؤال قد ينتج متعلَِّماٍ، لكنه لا ينتج بالضرورة إنساناً مستقلاً. أما التعليم الذي يعلِّم البحث والتحقق والحوار والشك المنهجي والإعتراف بالخطأ، فإنه يمنح الإنسان أداة لا يستطيع أحد أن يصادرها بسهولة: القدرة على تكوين حكمه بنفسه. ثم تأتي المؤسسات، لأن الوعي الفردي لا يستطيع وحده أن يصلح مجتمعاً تحكمه قواعد مختلفة. لا يمكن أن يستقيم مجتمع تكون فيه العلاقة أقوى من القانون، أو الشخص أقوى من المؤسسة، أو الإستثناء أقوى من القاعدة، أو الفوضى تسود عوض المنهج. 

فالمؤسسة العادلة ليست مجرد وسيلة لإدارة الدولة؛ إنها الآلية التي تجعل الإصلاح قابلا للإستمرار، والمنهج الذي يرسم للمجتمع طريقا واضحا يحميه من أن يبقى رهينة لإرادة الأفراد وتقلبات مصالحهم. ولا بستطيع مجتمع أن يحرر نفسه بالتبعية إذا ظل مستهلكاً لما ينتجه الآخرون في كل مجال. 

الإستقلال لا يعني الإكتفاء الذاتي الكامل، وإنما يعني امتلاك قدرة إنتاجية ومعرفية حقيقية: أن ننتج علماً، ونطور تقنية، ونبني اقتصاداً، ونزرع، ونصنع، وننتج أفكاراً وثقافة قادرتين على التعبير عن أسئلتنا نحن، لا عن الأسئلة التي صيغت لنا. 

ويبقى الإنسان في قلب ذلك. فلا يمكن بناء مجتمع متقدم بأفراد يخافون الإختلاف، أو يخلطون بين نقد الفكرة وإهانة صاحبها، أو يقبلون القاعدة التي تحميهم ويرفضونها عندما تحد من مصالحهم. إن التقدم يحتاج الى إنسان يستطيع أن يعيش مع الإختلاف دون أن يحوله الى عداوة، وأن يعترف بخطئه دون أن يراه هزيمة، وأن يدرك أن الحرية ليست امتيازاً فردياً منفصلاً عن مسؤولية الآخرين. 

وهكذا يتضح أن معركة تجاوز التخلف ليست معركة ضد الماضي وحده، ولا ضد الفقر وحده، ولا ضد الجهل وحده. إنها معركة من أجل استعادة الإنسان لقدرته على إنتاج ذاته: أن يعرف من أين جاء، وأن يفهم أين يقف، وأن يختار الى أين يريد أن يذهب. فالمجتمع الذي ينتج طعامه لكنه لا ينتج معرفته يبقى محتاجاً. والذي ينتج التكنولوجيا لكنه لا ينتج معاييره يبقى قابلاً للتوجيه. 

والذي يملك الثروة لكنه لا يملك مؤسساته يبقى هشاً. أما المجتمع الذي يستطيع أن ينتج المعرفة، وينقد مؤسساته، ويحمي ذاكرته، ويجدد ثقافته، ويختار قيمه، ويحوِّل علمه الى عمل، فإنه يبدأ باستعادة إستقلاله الحقيقي. ولذلك ربما لا يكون السؤال الأكثر أهمية: لماذا تخلفنا؟؟؟ فهذا السؤال يقودنا للبحث عن مذنب. السؤال الأهم هو: كيف فقدنا القدرة على أن نكون صانعين قرارنا؟؟؟ لأن المجتمع الذي يستعيد هذه القدرة يستطيع أن يتعلم من العالم دون أن يذوب فيه، وأن يحافظ على جذوره دون أن يتحول الى أسير لها، وأن يغيّر واقعه دون أن يفقد نفسه. 

التخلف ليس قدراً مكتوباً على مجتمع، كما أن التقدم ليس هدية يمنحها التاريخ لمن يشاء. كلاهما نتيجة لقدرة الإنسان على فهم شروط وجوده والتصرف فيها. 

وحين يستعيد الإنسان حقه في السؤال، وقدرته على المعرفة، وشجاعته على المراجعة، وإرادته في الإختيار، يبدأ التحول الحقيقي: من إنسان يتلقى العالم كما صيغ له، الى إنسان يشارك في صياغته.