
لم يعد التسوّل في لبنان مجرد مشهد عابر على الطرقات وإشارات المرور وأمام المحال التجارية. فمع تزايد أعداد المتسوّلين، وخصوصًا الأطفال والقاصرين، باتت الظاهرة تحتاج إلى قراءة أعمق تتجاوز مشهد الشخص الذي يمد يده طلبًا للمساعدة، إلى البحث في الأسباب والجهات التي تقف خلف بعض الحالات، وفي المخاطر التي قد يتعرض لها هؤلاء الأشخاص، ولا سيما الأطفال.فبينما يوجد بلا شك أشخاص يلجأون إلى التسوّل بسبب الفقر والحاجة والظروف الاقتصادية القاسية، فإن ذلك لا يعني أن جميع الحالات متشابهة أو أن جميع المتسوّلين يعملون بصورة مستقلة. فقد وثقت تقارير دولية وقضائية حالات في لبنان مرتبطة بالتسوّل القسري للأطفال والاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي.
وقد أظهرت تقارير سابقة وجود ملاحقات وإدانات لأشخاص تورطوا في إجبار أطفال على التسوّل.وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: عندما يتحول الإنسان المحتاج، وخصوصًا الطفل، من شخص يحتاج إلى الحماية والمساعدة إلى أداة لتحقيق منفعة مالية لجهات أخرى.
لا يجوز إطلاق اتهامات عامة بحق أشخاص أو مجموعات من دون أدلة أو تحقيقات، لكن من الضروري عدم تجاهل احتمال وجود شبكات أو مجموعات منظمة تستغل الفقر والحاجة، وتستخدم الأطفال والقاصرين في التسوّل أو في أنشطة أخرى غير مشروعة.
وقد أدرج المشرّع اللبناني جريمة الاتجار بالبشر في القانون رقم 164 تاريخ 24 آب 2011. ويعرّف القانون الاتجار بالأشخاص على أساس أفعال ووسائل معينة بهدف استغلال الشخص، ويذكر صراحة ضمن أشكال الاستغلال التسوّل والاستغلال الجنسي والعمل القسري.
وهذا يعني أن التسوّل لا يجب أن يُنظر إليه دائمًا كفعل منفصل عن الجرائم الأخرى، خصوصًا عندما تتوافر عناصر تدل على الإكراه أو الاستغلال أو السيطرة على الضحية أو تحقيق منفعة من استغلالها.
المشكلة تصبح أكثر خطورة عندما يتعلق الأمر بالأطفال.فالطفل الذي يقضي ساعات طويلة في الشارع معرض لحوادث السير والعنف والاستغلال والإيذاء، كما يمكن أن يصبح عرضة لأشخاص يستغلون ضعفه وحاجته وعدم قدرته على حماية نفسه.
وتشير تقارير دولية إلى أن أطفالًا في لبنان، وخصوصًا بعض الأطفال اللاجئين، تعرضوا للتسوّل القسري والعمل في الشوارع، وأن الأطفال الموجودين في الشارع يكونون أكثر عرضة للاستغلال والعنف القائم على النوع الاجتماعي والعمل القسري.والأخطر أن الاستغلال قد لا يتوقف عند جمع المال.
ففي بيئات هشة وغير محمية، يمكن أن يتعرض الطفل أو القاصر للعنف الجسدي أو الاعتداء الجنسي أو الاستغلال الجنسي أو الابتزاز أو إجباره على القيام بأعمال غير قانونية.
ولا يعني ذلك أن كل طفل متسوّل هو ضحية لهذه الجرائم، وإنما يعني أن وجود الطفل في الشارع، في ظروف الاستغلال أو الإهمال، يضعه في دائرة خطر تستوجب التدخل والحماية والتحقق من ظروفه.
من أخطر الجوانب التي يجب عدم تجاهلها احتمال انتقال الاستغلال من التسوّل إلى أشكال أخرى من الاعتداء والاستغلال.فالطفل الذي لا يملك حماية أسرية أو اجتماعية كافية قد يصبح أكثر عرضة للأشخاص الذين يستغلون حاجته أو خوفه أو ضعفه.
وقد يأخذ الاستغلال شكل الاعتداء الجسدي أو الجنسي، أو استغلال الطفل في مواد مصورة، أو استخدام التهديد والابتزاز لإجباره على الاستمرار في نشاط معين.ولهذا السبب، فإن مواجهة التسوّل بين الأطفال ليست قضية تنظيم للطرقات أو الحفاظ على المظهر العام فحسب؛ إنها أيضًا قضية حماية للطفولة ومنع للاستغلال والاتجار بالبشر.
وقد شددت التقارير الدولية المتعلقة بلبنان على مخاطر الاتجار والاستغلال الجنسي، كما أشارت إلى وجود أطفال معرضين للتسوّل القسري والاستغلال التجاري والجنسي، وإلى الحاجة إلى تعزيز آليات اكتشاف الضحايا وحمايتهم.
القانون اللبناني لم يترك مسألة استغلال الأطفال في التسوّل من دون معالجة.فالمادة 618 من قانون العقوبات، بصيغتها المعدلة، تعاقب من يدفع قاصرًا دون الثامنة عشرة من عمره إلى التسوّل بالحبس والغرامة.
كما أن قانون رقم 422/2002 المتعلق بحماية الأحداث المعرّضين للخطر يعتبر من حالات الخطر أن يكون الطفل في بيئة تهدد صحته أو سلامته أو تربيته، أو أن يكون معرضًا للاعتداء، كما يشمل وجود الطفل في حالة تسوّل أو تشرد، مع واجب الإبلاغ عند الاشتباه بوجود حالة خطر.
وهذا يضعنا أمام مبدأ أساسي:الطفل المتسوّل ليس مجرمًا يجب معاقبته، بل قد يكون طفلًا معرضًا للخطر يجب حمايته، بينما يجب أن تقع المسؤولية القانونية على من يستغله أو يدفعه أو يجني المال من استغلاله.
وجود الأطفال والبالغين لساعات طويلة في الشوارع وفي ظروف معيشية صعبة قد يعرّضهم لمخاطر صحية مختلفة، خصوصًا عندما تكون ظروف النظافة والسكن والرعاية الصحية غير متوافرة.
كما أن الاحتكاك المستمر بالشارع، والتعرض للعنف والاستغلال، وعدم الحصول على الرعاية الطبية والنفسية، قد يؤدي إلى آثار صحية ونفسية طويلة الأمد.
لكن من المهم هنا عدم وصم المتسوّلين باعتبارهم مصدرًا للأمراض؛ الفقر والتشرد ونقص الرعاية الصحية هي عوامل خطر بحد ذاتها، والحل الإنساني هو توفير الرعاية والفحص الصحي والحماية، وليس تحويل المحتاج إلى مصدر خوف أو وصمة اجتماعية.
الجواب قد يكون: كلاهما، بحسب الحالة.هناك إنسان فقير قد يلجأ إلى التسوّل لأنه فقد مصدر رزقه.وهناك أسرة قد تدفع أبناءها إلى الشارع بسبب الحاجة.وهناك حالات قد تتضمن استغلالًا أو تسوّلًا قسريًا.
وهناك، عندما تثبت التحقيقات ذلك، جرائم اتجار بالبشر واستغلال منظم.لذلك، فإن الخطر يكمن في وضع جميع الحالات في خانة واحدة.
فالمعالجة العادلة يجب أن تفرق بين المحتاج الذي يحتاج إلى مساعدة، والطفل الذي يحتاج إلى حماية، والشخص الذي يستغل القاصر، والشبكة التي قد تتربح من الاتجار بالبشر.
إذا كان طفل واحد يظهر يوميًا في المكان نفسه، أو مجموعة من الأطفال يتم توزيعهم على التقاطعات والأماكن العامة، أو إذا كان شخص آخر يجمع الأموال منهم أو يراقب تحركاتهم، فهذه مؤشرات تستحق التحقق والتحقيق من الجهات المختصة، وليس مجرد إبعاد الأطفال من المكان.
المطلوب هو الوصول إلى مصدر الاستغلال:من يرسل الأطفال؟من يحصل على الأموال؟هل يوجد تهديد أو إكراه؟هل الأطفال محرومون من التعليم؟هل توجد صلة بين المتسوّلين؟هل هناك شخص أو مجموعة تراقبهم أو تنقلهم؟وهل توجد مؤشرات على انتقال الاستغلال إلى جرائم أخرى، كالعنف أو الاستغلال الجنسي أو الاتجار بالبشر؟هذه الأسئلة أهم بكثير من الاكتفاء بإزالة المشهد من أمام أعين المارة.
إن مكافحة التسوّل لا تعني ملاحقة الفقراء أو معاقبة الأطفال. بل تعني بناء منظومة متكاملة تبدأ بالحماية الاجتماعية وتنتهي بتطبيق القانون على المستغلين.المطلوب هو تعاون الأجهزة الأمنية والقضائية والبلديات ووزارة الشؤون الاجتماعية والمؤسسات المختصة بحماية الطفل والجمعيات، مع إنشاء آليات واضحة للتعرف إلى ضحايا الاستغلال والاتجار بالبشر وإحالتهم إلى الرعاية والحماية.
وفي المقابل، يجب أن يكون هناك تحقيق جدي عندما تظهر مؤشرات على وجود تسوّل قسري أو استغلال منظم أو اتجار بالبشر، وأن تتم ملاحقة المستفيدين الحقيقيين من هذه الجرائم بدل الاكتفاء بالتعامل مع الضحية الموجودة في الشارع.
قد تبدو صورة الطفل الذي يمد يده طلبًا للمال بسيطة، لكنها قد تخفي وراءها قصة فقر أو تفكك أسري أو إهمال أو استغلال أو اتجار.ولهذا، فإن تجاهل الظاهرة ليس حلًا، كما أن التعامل معها بعنف ليس حلًا.الحل يبدأ من الاعتراف بأن المتسوّل قد يكون ضحية، وأن الطفل المتسوّل قد يكون ضحية أكثر هشاشة، وأن من يستغل هؤلاء لتحقيق المال هو الطرف الذي يجب أن يخضع للتحقيق والمساءلة عندما تثبت مسؤوليته.
إن مواجهة التسوّل في لبنان يجب ألا تكون حملة لإخفاء الأطفال عن الشوارع، بل حملة لكشف الأسباب والجهات التي تدفعهم إليها.
فإذا كان الفقر يدفع الإنسان إلى التسوّل، فإن الاستغلال يحوّل الفقر إلى تجارة، وعندما يصبح الطفل جزءًا من هذه التجارة، نكون أمام خطر يتجاوز التسوّل إلى انتهاك حقوق الطفل والاتجار بالبشر والاستغلال والعنف.
ومن هنا، فإن المعالجة الحقيقية لا تكون بمحاربة الفقير، بل بمحاربة الفقر والاستغلال؛ ولا تكون بمعاقبة الطفل، بل بحمايته؛ ولا تكون بإخفاء المشهد، بل بالوصول إلى من يقف خلفه عندما تكشف الأدلة وجود استغلال أو شبكة منظمة.التسوّل قضية اجتماعية، لكن استغلال الإنسان قضية قانونية وإنسانية. وحماية الأطفال من أن يتحولوا إلى أدوات في أيدي المستغلين هي مسؤولية الدولة والمجتمع معًا.