الثمن الذي يدفعه رجلٌ في المهجر - الكاتبة لينا صياغة


لم يغادر وطنه لأنّه لم يحبّه، بل لأنّ الحياة ضاقت به حتى صار البقاء نوعًا آخر من الرحيل. حمل حقيبته، وقبّل وجوهًا أحبّها، وأخفى ارتجاف قلبه خلف ابتسامة رجلٍ يقول: سأعود حين تتحسّن الأحوال.

لم يكن يعرف أنّ الغربة لا تبدأ عند مغادرة الحدود، بل حين يصبح عليه أن يتعلّم العيش بعيدًا عمّا يمنحه معنى الحياة.في بلاد المهجر، صار رجلًا آخر. يستيقظ قبل أن يستيقظ النهار، يذهب إلى عمله متعبًا، ويعود إلى غرفةٍ لا تعرف اسمه إلا من صدى خطواته. 

يتقن لغة الشوارع، ويحفظ مواعيد القطارات، ويعرف كيف يدبّر مصروفه حتى آخر الشهر، لكنّه يعجز أحيانًا عن تدبير حنينه حين يشتدّ عليه الليل.كان يرسل المال إلى أهله، ويقتصد في طعامه وراحته، ويؤجّل شراء ما يحتاج إليه، كي لا ينقص أولاده شيء. 

وحين يسألونه عن أحواله، يقول: أنا بخير. لم يكن يريد أن يحمّلهم وجعًا إضافيًا، ولم يكن يعرف كيف يشرح لهم أنّ الإنسان قد يمتلك ما يكفيه ليعيش، ويفتقد ما يجعله يشعر أنّه حيّ.كان يدفع ثمن غربته بصمت؛ ثمن السنوات التي تمرّ وهو غائب عن أعمار أولاده، عن مرض أمّه، عن شيخوخة أبيه، عن مناسبات العائلة، وعن التفاصيل الصغيرة التي لا تعود حين يفوت أوانها. 

كم من عيدٍ حضره عبر شاشة، وكم من دمعةٍ مسحها وحده كي لا يراها أحد، وكم من مرةٍ تمنى أن يكون فقيرًا في وطنه، بدل أن يكون قادرًا على مساعدة الجميع وعاجزًا عن احتضانهم.ومع مرور السنوات، صار المال الذي يجمعه أكبر، بينما كانت حصّته من الحياة تصغر. البيت الذي بناه لأسرته كان يزداد اتساعًا، أمّا غرفته في الغربة فبقيت ضيّقة. أولاده كبروا، واحتياجاتهم تغيّرت، وأحلامهم مضت إلى الأمام، بينما ظلّ هو معلّقًا بين بلدٍ يعمل فيه وبلدٍ ينتظر فيه العودة.

وحين كان يفكّر بالرجوع، يسأل نفسه: ماذا سأفعل هناك؟ هل أستطيع أن أبدأ من جديد؟ هل ما جمعته يكفي لأعيش؟ وهل سيعرفني الوطن الذي تركته، أم سأعود غريبًا في المكان الذي أحفظ أسماء شوارعه ورائحة ترابه؟كانت تلك أقسى مفارقات الغربة: أن يظلّ الوطن حلمه حين يبتعد عنه، وأن يصبح الرجوع إليه امتحانًا حين يقترب منه.لم يكن يخشى التعب، فقد اعتاد أن يعمل حتى الإنهاك، لكنّه بدأ يخشى شيئًا آخر؛ أن تنتهي سنواته قبل أن يعيشها، وأن يكتشف متأخرًا أنّه أمضى عمره يؤمّن الحياة لمن يحبّ، فيما الحياة نفسها كانت تفلت من يديه.

فالرجل في المهجر لا يدفع ثمن غربته من جيبه وحده؛ إنّه يدفعه من عمره، ومن صحّته، ومن دفء علاقاته، ومن حقّه البسيط في أن يكون حاضرًا حين يحتاجه أحبّاؤه. وقد ينجح في بناء مستقبلٍ لعائلته، لكنّه لا يستطيع شراء لحظةٍ مضت، ولا استعادة طفلٍ كبر من دون أن يراه كل يوم، ولا تعويض يدٍ كان يتمنّى أن يمسكها حين اشتدّ به التعب.

ومع ذلك، لا يجوز أن نختصر حكايته بالحزن، فهو ليس رجلًا هاربًا من وطنه، ولا رجلًا اختار المال على الحبّ بالضرورة. قد يكون أبًا حمل مسؤوليةً أكبر من قدرته، أو ابنًا أراد أن يسند عائلته، أو إنسانًا لم يجد في بلاده فرصةً تحفظ كرامته. لذلك، فإنّ أقسى ما يمكن أن نفعله به هو أن نحاسبه على غيابه، من دون أن نفهم الثمن الذي دفعه كي يبقى أحبّاؤه في أمان.

لكن يبقى سؤالٌ موجع يستحقّ أن نطرحه: من يعوّض هذا الرجل عن السنوات التي وهبها للآخرين؟ من يسأله عمّا يحتاجه هو، بعدما اعتاد الجميع أن يسألوه عمّا يستطيع أن يقدّم؟ربّما لا يريد بيتًا أكبر، ولا مالًا أكثر، ولا نجاحًا يصفّق له الناس. ربّما يريد فقط أن يعود يومًا إلى أرضه، فيجلس أمام بيته، يتنفّس هواءً يعرفه، يسمع أصوات جيرانه، ويرى الغروب من النافذة التي تركها خلفه، من دون أن يحسب تكلفة البقاء أو مخاطر الرحيل.

يريد أن يستعيد حقّه في حياةٍ لم يعشها كما تمنى.فليست المأساة أن يسافر الرجل ليصنع مستقبلًا أفضل، بل أن يمضي عمره كلّه يصنع ذلك المستقبل، ثم يكتشف أنّه لم يترك لنفسه وقتًا ليعيش فيه.

ولعلّ أكثر ما يحتاجه المغترب ليس أن نقول له: متى ستعود؟ بل أن نسأله بصدق: كم بقي منك، وأنت تحاول أن تمنح الجميع حياةً أفضل؟.