العمامة والمنديل: البياض مسلكًا( المقالة الأولى) - فاروق خداج

سلسلة: الرائد المفيد في مسلك التوحيد
فاروق غانم خداج كاتب وباحث لبناني في الأدب والفكر الإنساني


في القرية أشياء لا تُرى بالعين وحدها. قد تبدو للغريب قطعةً من ثوب، أو هيئةً من هيئات الناس، ثم لا يلبث أن يكتشف أن وراءها عمرًا من العادات، ومسلكًا من الحياة، وذاكرةً تحفظها الوجوه قبل الكتب.
ومن هذه الأشياء العمامة البيضاء عند الرجال، والمنديل الأبيض عند النساء في تقاليد أهل المسلك الديني عند الموحّدين الدروز. بياضٌ يعلو الرأس ولا يمرّ عابرًا؛ فقد ارتبط في الذاكرة الدينية والاجتماعية بالحشمة والستر والتقوى، وبمعانٍ تتجاوز نظافة القماش إلى ما يريده الإنسان من صفاء في نفسه وسلوكه.
والأبيض لون تظهر عليه الأشياء بسرعة؛ فكل أثر يترك فيه علامة، وكل كدر يبدو عليه واضحًا. ولعل في ذلك شيئًا من رمزيته: أن النفس التي تطلب الصفاء تعرف أن ما يعكّرها، وإن خفي عن العيون، يبقى حاضرًا في داخلها. ومن هنا يبدو البياض في هذا اللباس أقرب إلى معنى يُطلب منه إلى لون يُختار.
فالعمامة ليست مجرد قماش أبيض يلتفّ حول الرأس. إنها هيئة لها تاريخها ومراتبها، وتُعرف في بعض البيئات باسم «اللَّفّة». وقد تتكوّن العمامة التقليدية من طربوش أحمر يلتفّ حوله القماش الأبيض، كما عُرفت أشكال أخرى من أغطية الرأس. أما العمامة المكوّرة أو «المكولسة»، فقد ارتبطت، في بعض التقاليد، بكبار رجال الدين وأهل المكانة الدينية، وبمن عُرفوا في الذاكرة الدينية والاجتماعية بالورع والصلاح.
ولكل شكل من هذه الأشكال طريقته في اللفّ، حتى يستقر القماش فوق الرأس في صورة متماسكة هادئة. والبساطة هي السمة الأبرز، وفيها ذلك الاقتصاد الذي يجعل الثوب يقول أقلّ مما يحمل. 

ومن عادات العناية بالعمامة أن تُغسل وتُطوى وتُحفظ في موضع نظيف، فتغدو المحافظة عليها جزءًا من حضورها اليومي، وامتدادًا لما تمثّله من انتظام ووقار.
ولم يكن إلباس العمامة، في بعض السياقات، مجرد انتقال لقطعة من القماش إلى رأس صاحبها، بل مناسبة تحمل دلالتها الدينية والاجتماعية. 

ففي الخامس من آذار عام 1988، ألبس الشيخ أبو حسن عارف حلاوي العمامة المكولسة للشيخ أبي محمد جواد ولي الدين، في مناسبة شملت أيضًا مشايخ آخرين، وفق ما توثّقه مجلة «العمامة». وفي هذه الواقعة تتجاوز العمامة هيئتها الظاهرة، لتغدو علامة على مكانة روحية ومسؤولية أخلاقية، وتذكيرًا بما ينبغي أن يتحلّى به صاحبها من ورع واستقامة.¹
وإذا كانت العمامة تلتفّ حول الرأس، فإن المنديل ينسدل في هدوء. وهو منديل أبيض فضفاض تختلف طريقة ارتدائه بحسب البيئة ودرجة الالتزام والعرف المحلي؛ فقد يغطي الرأس، ويمتد إلى الصدر والكتفين، وقد يصل عند بعض النساء إلى الفم والأنف. وتتنوع هيئته بين البيئات والقرى، فلا يمكن اختزاله في صورة واحدة أو اعتباره لباسًا موحّد الشكل عند جميع النساء.
وفي المنديل شيء من السكينة. يحيط بالرأس، ويجعل الحشمة جزءًا من الهيئة اليومية، من غير أن يحتاج إلى ما يلفت النظر. وربما بقيت فيه بعد الغسل رائحة الصابون، أو شيء من هواء السطح الذي نُشر عليه في الصباح. ثم تأتي اليد فتجمع أطرافه وتطويه بهدوء، وكأنها تعرف أن الأشياء التي تحمل معنى لا تُترك للإهمال.
وهنا تتقاطع العمامة والمنديل في ما وراء الشكل. ففي تقاليد أهل المسلك الديني عند الموحّدين الدروز، ارتبط الزيّ بالحشمة والستر والبساطة والنظافة، مع اختلاف في الهيئة بحسب المرتبة الدينية والعرف المحلي. وهكذا لا يكون اللباس شكلًا جامدًا، بل تقليدًا حيًا تتداخل فيه الدلالة الدينية والعادة والذاكرة الاجتماعية.
غير أن الطهارة التي يوحي بها البياض أوسع من الماء، والصفاء أبعد من القماش. فقد يكون الثوب ناصعًا، ويبقى القلب محتاجًا إلى ما هو أعمق من النظافة؛ وقد تستقيم الهيئة، ويبقى السلوك هو الامتحان الحقيقي لما تعنيه. فالظاهر قد يدلّ، لكن الباطن هو الذي يمنح الدلالة حقيقتها.
وفي القرى، حيث يعرف الناس بعضهم بعضًا، لا تحتاج الأشياء إلى كثير من الشرح. يكفي أن ترى رجلًا يعبر الطريق وعمامته البيضاء مستقرة فوق رأسه، أو امرأةً تمرّ قرب بيتها ومنديلها يحيط برأسها وكتفيها، حتى تشعر أن المشهد يحمل ذاكرة أطول من اللحظة نفسها؛ ذاكرة البيوت الحجرية، والخلوات، والمجالس، والوجوه التي تعاقبت وهي تحفظ هيئةً دينية واجتماعية ارتبطت، في وعي أهلها، بالمعرفة والالتزام.
وفي هذه المشاهد اليومية يستعيد اللباس معناه الأعمق؛ فهو لا يحفظ صورةً موروثة فحسب، بل يصل حاضر الإنسان بماضيه، ويذكّره بأن قيمة ما توارثه من مظاهر الوقار لا تكتمل إلا بما يصاحبه من سلوك.
إن بعض اللباس لا يُرتدى للجسد وحده، بل لما يريد الإنسان أن يكون عليه.
فالعمامة تلتفّ، والمنديل ينسدل؛ وفي بياضهما معنى يُصان، وحشمةٌ تُعاش، وتقوى لا يثبت معناها إلا السلوك.
المصدر
¹ مجلة «العمامة»، العدد 166، نيسان 2024، مادة في الذكرى الثانية عشرة لوفاة الشيخ أبي محمد جواد ولي الدين؛ وتوثّق واقعة إلباس العمامة المكولسة في 5 آذار 1988 على يد الشيخ أبي حسن عارف حلاوي.