«الفزعة 25».. حين يسبق الحكمُ النقدَ وتُختزل تجربة السويداء في مقال

الصحفي سهيل حاطوم -سوريا

حين يصف كاتب فيلمًا بأنه «جريمة في حق السينما السورية» فإنه لا يطلق مجرد انطباع عابر ، بل يصدر حكمًا بالغ القسوة ، يفترض أن يستند إلى تحليل فني متماسك وأدلة واضحة لكن المشكلة تبدأ عندما تكون العبارة أكبر من الحجة ويصبح إطلاق الحكم أسهل من إثباته .

هذا ما يجعل مناقشة مقال عهد أسد النبواني عن فيلم «الفزعة 25» ضرورية ؛ ليس لأن الفيلم فوق النقد ، بل لأن النقد نفسه يحتاج إلى معايير ولأن الاختلاف الفني لا يمنح أحدًا حق تحويل رأيه الشخصي إلى حقيقة نهائية .

أولًا : حين تحل الأحكام القاطعة مكان التحليل الفنيهل تكفي عبارة قاسية لإثبات ضعف فيلم؟ وهل يصبح العمل جريمة بحق السينما لمجرد أن كاتبه لم يقتنع به؟ لو كان الأمر كذلك لاستغنينا عن النقد الفني واكتفينا بتبادل الأوصاف .تقييم أي فيلم يتطلب مناقشة عناصره الفعلية : السيناريو والإخراج ، والأداء ، والإيقاع ، والبناء الدرامي ومدى انسجام هذه العناصر .

أما إطلاق حكم شامل من دون أن تتناسب الأدلة معه فهو موقف شخصي مهما بدا حاسمًا في صياغته .وينطبق الأمر نفسه على المقارنة بين «الفزعة 25» وأعمال أخرى مثل «الرحلة 17» فالمعيار ليس عدد أيام التصوير ولا طول فترة الإنتاج بل ما أنجزه كل فيلم على الشاشة قصر مدة التصوير لا يصنع تحفة وطول الإنتاج لا يصنع فشلًا ومن يريد إجراء مقارنة نقدية جادة عليه أن يقارن الأفلام فنيًا لا أن يستبدل التحليل بأرقام لا تحسم الجودة .فالمشكلة ليست أن يختلف الناقد مع الفيلم بل أن يصدر حكمًا نهائيًا ثم يترك للقارئ مهمة البحث عن الأدلة التي يفترض أن تسنده .

ثانيًا : هل الاختلاف في السرد يعني تشويه تاريخ السويداء؟يتناول «الفزعة 25» أحداثًا مؤلمة شهدتها السويداء في 25 تموز 2018 وهي أحداث ترتبط بذاكرة مجتمع دفع ثمنًا باهظًا من أرواح أبنائه وأمنه واستقراره ومن الطبيعي أن تثير معالجة هذه الأحداث أسئلة حول دقة الوقائع وصورة الشخصيات وحضور التضحيات .

لكن الفيلم الروائي ليس سجلًا أرشيفيًا ملزمًا بإعادة إنتاج كل تفصيل تاريخي بل عمل فني يعالج الأحداث من خلال اختيارات سردية محددة وهذا لا يعفيه من المسؤولية عن الوقائع التي يعرضها لكنه يفرض على الناقد أن يميز بين خطأ تاريخي يمكن إثباته واختلاف في ترتيب الأحداث أو مساحة الشخصيات أو طريقة تقديمها .فإذا كان ثمة تشويه للتاريخ فليُحدَّد موضعه وتُقدَّم الأدلة عليه أما الانتقال من الاعتراض على معالجة درامية إلى اتهام العمل بإنكار البطولة أو تزوير الذاكرة من دون إثبات واضح فهو قفزة استنتاجية لا تعوضها قوة اللغة .

والأمر ذاته ينطبق على صورة المرأة في الفيلم وسائر الشخصيات المطلوب قراءة ما يقدمه العمل فعلًا ، لا محاكمته على أساس صورة مسبقة عما كان ينبغي أن يقدمه .إن الدفاع عن تاريخ السويداء وتضحيات أهلها لا يكون بالمبالغة في مدح أي عمل يتناولهم لكنه أيضًا لا يكون بإطلاق اتهامات كبيرة لا تتناسب مع الأدلة المعروضة فالتاريخ أكبر من أن يُختزل في فيلم ، وأكبر كذلك من أن يُختزل في حكم ناقد واحد .

ثالثًا : استطلاع الجمهور ليس محكمة ، ورأي الناقد ليس حقيقة مطلقةالاستشهاد باستطلاع للرأي لا يحسم القيمة الفنية لأي فيلم ما لم نعرف مصدر الاستطلاع وحجم عينته وطريقة إجرائه ومدى تمثيله للجمهور فالأرقام لا تتحدث وحدها ، ولا تتحول إلى دليل حاسم لمجرد ورودها في مقال .لكن ثمة مسألة أهم : إذا كانت آراء الجمهور لا تكفي وحدها لإثبات جودة الفيل، فإن رأي الناقد لا يكفي وحده لإثبات رداءته أيضًا النقد الجاد لا يطلب من القارئ التسليم بنتيجته ، بل يكشف له الطريق الذي أوصله إليها .

ومن هنا فإن استخدام تعبيرات من قبيل «جريمة في حق السينما السورية» يضع الكاتب أمام مسؤولية مضاعفة: عليه أن يشرح كيف وصل من ملاحظاته الفنية إلى هذا الحكم الاستثنائي وإلا بقيت العبارة عنوانًا صاخبًا لا يضيف إلى التحليل بقدر ما يحاول أن يحسم النقاش قبل أن يبدأ .ليس المطلوب تخفيف النقد أو منع الأحكام القاسية ، بل جعلها متناسبة مع ما يسندها فالناقد الذي يطالب المخرج بالدقة والاحتراف مطالب بدوره بالدقة والاحتراف في قراءة العمل وبناء استنتاجاته .

رابعًا : «الفزعة 25».. تجربة من السويداء تستحق أن تُناقَش لا أن تُختزَلتتجاوز أهمية «الفزعة 25» مسألة الاتفاق أو الاختلاف على مستواه الفني ؛ فهو فيلم روائي طويل أُنجز من السويداء ويتناول تجربة شديدة الحساسية في ذاكرة أهلها ، ثم شق طريقه إلى عروض ومناسبات خارجية ، 

بينها دبي عام 2022 وفنزويلا عام 2023 ، وصولًا إلى العرض العالمي عبر الإنترنت المقرر في الأول من تشرين الثاني 2026 .وتكمن أهمية هذه التجربة في أنها تمثل محاولة لإنتاج سينما روائية طويلة من السويداء، ونقل حكايتها إلى جمهور أوسع وهذه القيمة لا تعني أن الفيلم معصوم من النقد ولا تمنحه نجاحًا فنيًا تلقائيًا لكنها تجعل اختزاله في حكم واحد مقاربة لا تفي التجربة حقها ، ولا تساعد على فهم ما حققته وما أخفقت فيه .

فمن السهل إطلاق حكم نهائي لكن الأصعب هو تقديم قراءة تفصيلية تشرح مكامن القوة والضعف وتتيح نقاشًا حقيقيًا ومن السهل أيضًا رفض العمل لكن الرفض وحده ليس تحليلًا مهما كانت العبارات المستخدمة حادة .المخرج ليس فوق النقد لكن الناقد ليس فوق النقد أيضًا ومن يرفع سقف الاتهام إلى حد وصف فيلم بأنه «جريمة في حق السينما السورية» عليه أن يقدم ما يوازي هذا الاتهام من تحليل وأدلة، لا أن يكتفي بفرض انطباعه على القارئ .

في النهاية ليس المطلوب أن يحب الجميع «الفزعة 25» ولا أن يتفقوا على قيمته الفنية المطلوب فقط أن يُناقَش بميزان نقدي عادل ، وأن يُمنح الجمهور فرصة مشاهدته والحكم عليه بنفسه .

فحين تنجز السويداء فيلمًا روائيًا طويلًا يخرج إلى العالم فإن من حق هذا الفيلم أن يُنتقد ، ومن حق صناعه أن يُسألوا عن خياراتهم ، لكن من حق التجربة أيضًا ألا تُدفن تحت عنوان قاسٍ يسبق التحليل ويصادر النقاش .فالسينما لا تتقدم بالأحكام النهائية بل بالنقد الذي يبرهن على نفسه والرأي ، مهما كان صاحبه واثقًا منه لا يصبح حقيقة لمجرد أنه كُتب بلهجة حاسمة .