
الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف
في مكان لا نعرف أين يقع، ولا نعرف من شيّده، يجلس ماردٌ متسلِّط على عرش عالٍ، أعلى من أن تصِل إليه الأيدي، وأبعد من أن تقع عليه الأبصار. لا يتكلم، ولا يحتاج الى أن يتكلم. لا يرفع سيفاً، ولا يُرسِل جنوده، ولا يطارد أحداً.
يكفيه أن يجلس هناك، في علوِّه الصامت، بينما تدور في الأسفل حياة كاملة لا تعرف أنه موجود.
حول عرشه تنتصب مرايا كثيرة، موزعة في كل اتجاه،
وكل مرآة لا تظهر المارد كاملاً، بل تعكس جانباً من صورته، أو ظلاً من سلطته، أو أثراً من آثاره.
وفي أسفل المكان يجلس الناس ووجوههم للمرايا، وقد أعطوا ظهورهم للمارد، فلا يرونه، ولا يخطر لهم أن يلتفتوا الى الخلف.
كل ما يرونه هو انعكاسات مختلفة أمامهم. في مرآة يظهر الفقر، وفي أخرى يظهر الخوف،
وفي ثالثة يظهر الصراع، وفي رابعة يظهر رجل، أو جماعة، أو طبقة، أو فكرة. وفي مرآة تبدو الحياة نفسها كأنها عدو غامض لا يمكن الإمساك به.
وكل إنسان يرى صورة مختلفة، فيعتقد أن الصورة التي أمامه هي الحقيقة كلها، وأنها هي مصدر ألمه. وهكذا تبدأ الحرب. يهاجم أحدهم صورة في مرآة،
فيرد عليه آخر بالدفاع عنها. يصرخ هذا في وجه ذلك، ويتهمه بأنه سبب التعاسة، ويرى ذلك أن الأول هو أصل المشكلة. تتسع الدائرة،
وتنتقل المعركة من مرآة الى أخرى، حتى ينسى الناس السؤال الأول: من الذي وضع هذه المرايا هنا؟
ومن شدة انغماسهم في الصورة، لا يعود أحدٌ منهم ينظر الى ما وراءها. يأتي شخص غاضب، فيحطم إحدى المرايا، تتناثر شظاياها أمامه، فيشعر للحظة بانتصار عظيم. ينظر الى الآخرين ويقول: لقد حطمت العدو. لقد انتصرت.
لكن العرش لم يتحرّك. والمارد لم يسقط. والمرايا الأخرى ما زالت قائمة. بل ربما تحوّلت المرآة المحطمة نفسها الى عشرات الشظايا، وأصبحت كل شظية تعكس جزءاً أصغر من الصورة، فينشغل الناس بملاحقة الشظايا بدل المرآة.
وهناك آخر لا يجرؤ حتى على كسر المرآة. يبقى أمامها سنوات طويلة، يحارب الصورة التي فيها، ثم يهدأ قليلاً،
ثم يعود الى الحرب من جديد. يصبح الصراع بالنسبة إليه أسلوب حياة، ويصبح العدو الذي يراه في المرآة جزءاً من هويته.
لم يعد يعرف نفسه خارج المعركة، ولم يعد يتخيّل عالماً لا يحتاج فيه الى القتال. أما المارد، فيبقى في مكانه هادئاً، صامتاً، وكأنه لا يحتاج الى أن يحكم أحداً بنفسه؛ فالناس يفعلون ذلك نيابة عنه.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة: ربما لا تكون قوة المارد في قدرته على إجبار الناس، بل في قدرته على إشغالهم عن رؤيته.
فالإنسان الذي يعرف من يحكمه يستطيع أن يسأل عن سبب حكمه، وأن يبحث عن حدود سلطته، وأن يفكر في كيفية التحرر منها.
أما الإنسان الذي لا يرى إلا الانعكاسات،
فسوف يقضي حياته في محاربة الصور، وكلما انتصر على صورة ظن أنه اقترب من الحرية، بينما قد يكون قد ابتعد عنها أكثر.
ليس كل من كسر مرآة قد كسر القيد. وليس كل من انتصر في معركة قد اقترب من الحرية.
فقد تكون بعض الإنتصارات مجرد انتصارات على الظواهر بينما يبقى المصدر في مكانه.
لكن ربما يوجد، وسط هذا الجمع ، إنسان لا يرفع حجراً ليكسر المرآة، ولا يمد يده ليضرب الصورة. يقف أمامها طويلاً وينظر.
يتأمل اختلاف المرايا. ثم يلاحظ شيئاً لم ينتبه إليه الآخرون.
هذه الصور المتعددة، على اختلافها ليست مستقلة تماماً.
هناك شيء مشترك بينها جميعاً.
شيء يتكرر في كل انعكاس،
وإن ظهر بأشكال مختلفة.
فيبدأ بالشك.
ليس في المرآة وحدها، بل في الطريقة التي ينظر بها إليها.
ثمّ يسأل نفسه لأول مرّة: ماذا لو لم يكن ما أراه أمامي هو الأصل؟
يتراجع خطوة،
ثم خطوة أخرى،
ويلتفت.
وعندها يرى العرش، ويرى المارد لأول مرة. لا يكون الإكتشاف بالضرورة لحظة انتصار، ولا لحظة سقوط المارد، ولا بداية ثورة صاخبة.
قد يكون أكثر هدوءاً من ذلك كله. إنه لحظة انتقال داخل الإنسان نفسه: انتقال من محاربة ما يراه الى محاولة فهم من أين جاءت الصورة التي يراها. وهنا يبدأ الوعي.
فالوعي ليس دائما أن تعرف الإجابة، بل أن تعرف أن السؤال الذي كنت تطرحه ربما كان خاطئاً. أن تدرك أنك أمضيت سنوات تسأل: من هو عدوي؟
بينما كان السؤال الأعمق: لماذا أرى عدوي بهذه الصورة أصلاً؟
ولماذا تتكرر أمامي الصور نفسها بأشكال مختلفة؟
ومن المستفيد من بقائي أمام المرآة؟
ومن الذي جعلني أعتقد أن المرآة هي العالم؟
ربما لا يكون المارد شخصاً واحداً، ولا مؤسسة واحدة، ولا قوة واحدة يمكن أن نشير إليها بإصبع.
ربما يكون المارد صورة مركبة لقوى تتداخل في صناعة حياة الإنسان: المال، والمصالح، والسلطة، والخوف، والحاجة، والقواعد التي يختارها الفرد، والظروف الاقتصادية والإجتماعية التي تحدد مساحة واسعة من خياراته قبل أن يبدأ حتى في التفكير في الإختيار.
وفي هذه الحالة يصبح المارد أكثر غموضاً، لكنه أيضاً أكثر واقعية.
فهو لا يحتاج الى أن يقول للأنسان: "إفعل هذا." يكفي أن يجعل بعض الطرق ممكنة، وبعضها مستحيلاً،
وبعضها مكلفاً الى درجة تجعل الإنسان يتراجع عنها بنفسه. وعندها قد يجلس الإنسان أمام المرآة ويسأل:
لماذا لم أصبح ما أردت أن أكون؟ وقد يلوم نفسه. أو يلوم شخصاً آخر. أو جماعة أخرى. أو زمنه.
بينما قد يكون جزء من الإجابة موجوداً في مكان آخر، في البنية الخفية التي صنعت له حدود الطريق قبل أن يبدأ السير.
لكن الخطر لا يكمن في وجود المارد وحده. الخطر الأكبر أن يتحول الإنسان الى حارس للمرايا.
أن يدافع عن الصورة التي اعتادها، ويمنع غيره من كسرها أو حتى الإقتراب منها. أن يصبح الخوف الذي زرعته المرايا أقوى من القوة التي صنعتها.
عندها لا يعود المارد بحاجة الى الحراسة؛ فقد أصبح الناس يحرسون النظام الذي يجهلون مصدره،
ويتقاتلون فيما بينهم دفاعاً عن انعكاساته.
وهكذا يتحول الإنسان من ضحية للسلطة الى أداة من أدوات استمرارها، من دون أن يشعر. ولعل أكثر ما يستحق التأمل أن المارد لا ينتصر عندما يخضع الناس له فقط؛ بل ينتصر أيضاً عندما ينجح في جعلهم ينسون أنهم يستطيعون الآلتفات.
فالإلتفات هو الفعل البسيط الذي يمكن أن يغير المشهد كله.
ليس المطلوب أن يكسر الإنسان مرآة، ولا أن يكره كل صورة، ولا أن يحطم كل ما يختلف عنه.
ربما المطلوب أولاً أن يتعلم النظر. أن يعرف الفرق بين الشيء وصورته.
بين السبب وأثره. بين الخصم الذي أمامه والقوة التي جعلت منه خصماً.
بين الحرية التي يتحدث عنها والخيارات التي تسمح له بها الحياة فعلاً.
وبين أن ينتصر في معركة صغيرة، وأن يقترب حقاً من التحرر.
وربما لهذا لا يكون أخطر شيء في هذا المسرح هو المارد الجالس على العرش، بل الإنسان الذي لا يعرف أنه يجلس وظهره إليه.
فالمارد قد يكون قوياً، لكن قوته تصبح أعظم حين لا يعرف الناس بوجوده.
والمرايا قد تكون خادعة، لكن خداعها يصبح كاملاٍ حين يقتنع الإنسان أن الصورة هي الحقيقة.
أما اللحظة التي يلتفت فيها إنسان واحد الى الخلف، فهي لحظة مختلفة تماماً.
فقد لا يسقط المارد، وقد لا ينكسر العرش، وقد لا تتغير الحياة في تلك اللحظة.
لكن شيئاً واحدا ًيكون قد تغيّر الى الأبد: لم يعد الإنسان يحارب المرآة وهو يظن أنها العالم. لقد رأى، ولو للحظة، أن هناك شيئاً وراء الصورة.
ومنذ تلك اللحظة، يصبح السؤال أكبر من الحرب.
يصبح السؤال: من الذي وضع المرايا؟
ومن الذي صنع العرش؟
ولماذا جلسنا كل هذه السنوات وظهورنا الى المارد؟