
على سطح البحر، حيث تمتد الشمس على صفحة الماء، تبدو الحياة وكأنها بلغت تمامها. مياه دافئة،هواء متجدد، وغذاء وفير تحمله التيارات في كل اتجاه. هناك تسبح سمكة "الإسقمري" بجسها الرشيق، وظهرها الزمردي الذي تخترقه خطوط سوداء متموجة، وبطنها الفضي الذي يعكس الضوء كلما انثنت بين الأمواج. تتحرك في عالم لا يعرف الندرة، حتى ليخيل الى من يراها أن البحر قد جمع لها كل أسباب الحياة.
ومع الأيام، تنشأ في النفس عادة لا يشعر بها صاحبها؛ فحين يعتاد الكائن وفرة العطاء يكفّ عن السؤال، ويألف ما يأتيه حتى يظن أن كلّ ما يقترب منه نعمة. لهذا، ما أن يهبط الى الماء طعم صغير، يلمع تحت أشعة الشمس، حتى تندفع اليه سمكة الإسقمري في غفلة من بصيرتها. لا يدفعها الجوع، فالبحر من حولها يفيض بالغذاء، وإنما يغويها ما جاء سهلاً، وما بدا قريباً، وما أوهمها بأنه فرصة جديدة تنتظرها. وفي اللحظة التي تفتح فيها فمها للطُعم تكون قد أغلقت عينيها عن السنارة المختبئة في أعماقه.
وهكذا فإن هذه السمكة لم تخسر البحر لأن البحر ضاق بها، بل لأنها استهانت بما لا يُنال إلاّ باليقظة. وفي أعماق البحر، حيث يخبو الضوء حتى يصير ظلاً، ويشتدّ ضغط الماء حتى يكاد يخنق الحركة، يبدأ عالم آخر. هناك تقِلُّ أسباب الحياة، ويُصبح البقاء عملاً لا ينتهي.
في ذلك العالم يعيش "حلزون البحر القزحي". كائن صغير، يحمل فوق ظهره صدفة تتدرج ألوانها بين البنفسجي العميق والأزرق النيلي، وتنساب فوقها خيوط فضية دقيقة تضيء عتمة الماء، كأن البحر احتفظ فيها ببقية من السماء. لا يجد حلزون البحر القزحي رزقه إلا بعد صبر وبحث دؤوب، ولا يقطع مسافة إلا بعد جهد ومشقة. غير أن قسوة الأعماق لا تنتزع منه هدوءه، ولا تدفعه الى اليأس. يمضي في طريقه كما لو أنه عقد صلحاً مع الحياة؛ فلا يطلب منها أن تخفّف أثقالها، ولا يسمح لأثقالها أن تكسر روحه. والأعجب من ذلك أنه لا يتخلى عن بهجة الحياة ومفاتنها.
إنه يحتفظ بألوانه الزاهية، لا لأن أحداً سيراه في تلك العتمة، ولا لأنها تزيده قوّة وتطيل عمره، بل لأنه يرفض أن يختزل وجوده في مجرد البقاء. فكأن هذا الكائن الصغير يعلم بفطرته أن الحياة لا تستحق أن تُعاش إذا فقدت قدرتها على إيقاظ الدهشة في القلب.
ربما وانت تراقب هذين المشهدين، تميل بقلبك الى كائن الأعماق، وتجد نفسك أقلّ تعاطفاً مع سمكة الإسقمري. غير أن البحر لا يدعوك الى الإعجاب بأحدهما وإدانة الآخر، بل يدعوك الى أن ترى نفسك فيهما. ففي داخل الإنسان شيء من الإسقمري؛ يطمئن الى ما اعتاده، ويستسلم لما يلمع، ويغفل أحياناً عن أن أسهل الطرق ليست دائماً أكثرها أماناً. وفي داخله أيضاً شيء من كائن الأعماق؛ ذلك الجزء الذي يعرف أن المعنى لا يولد من الراحة وحدها، وأن المشقة مهما اشتدت، لا تستطيع أن تهزم روحاً ما زالت ترى في الحياة ما يستحق الحب.
ولعلّ هذه هي حكمة البحر... أن الوفرة لا تحمي صاحبها إذا نامت بصيرته، كما أن القسوة لا تهزم صاحبها إذا بقي قلبه يقظاً.
فليست العِبرة فيما تمنحه الحياة للإنسان، بل فيما تصنعه الحياة من الإنسان، وما يصنعه الإنسان من حياته.
فقد يخسر البحر كلّه من يلهث وراء طعم صغير، وقد يربح الحياة كلّها من يصنع لها معنى، حتى ولو عاش في أعمق الأعماق.