
لم تعد الأزمة الاقتصادية في لبنان تُقاس فقط بأسعار السلع أو سعر الصرف أو حجم الخسائر المالية، بل أصبحت تُقاس أيضًا بعدد فرص العمل التي تضيع، وبالأسر التي تفقد مصدر دخلها، وبالعامل الذي يجد نفسه أمام مستقبل مهني غير واضح.
وفي بلد أنهكته الأزمات المتلاحقة، جاء التصعيد الأخير ليضيف ضربة جديدة إلى سوق العمل، الذي كان يعاني أصلًا من هشاشة كبيرة، وتراجع في الأجور، واتساع في العمل غير المنظم، وضعف قدرة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على الصمود.وتكشف أحدث دراسة لمنظمة العمل الدولية صورة شديدة القسوة.
فقد أظهر مسح أُجري في أيار/مايو 2026 وشمل 2485 عاملًا وعاملة في القطاع الخاص كانوا يعملون قبل تجدد النزاع في آذار/مارس 2026، أن 33% منهم لم يعودوا يعملون وقت إجراء المسح، بينهم 28.2% أصبحوا عاطلين عن العمل و4.7% خرجوا من سوق العمل.
الأرقام لا تعني مجرد ارتفاع في البطالة، بل تعكس تغيرًا عميقًا في حياة الأسر.فعندما يفقد العامل وظيفته، لا يخسر راتبه فقط، وإنما تتأثر قدرته على دفع الإيجار والفواتير، وتأمين الغذاء والدواء والتعليم، وسداد القروض، وحتى التخطيط للمستقبل.
وقد أظهرت نتائج منظمة العمل الدولية أن متوسط دخل العمل لدى جميع الأشخاص الذين شملهم المسح انخفض بنحو 40.4% عند احتساب خسائر الوظائف إلى جانب تراجع الأجور لدى من استمروا في العمل. أما العاملون الذين حافظوا على وظائفهم، فقد انخفض متوسط دخلهم بنسبة 14.8%.وهكذا لم تعد المشكلة محصورة في سؤال: «هل لديّ عمل؟»، بل أصبحت أيضًا: «هل يكفي دخلي للعيش؟»
كانت تداعيات التصعيد أشد قسوة في المناطق المتضررة مباشرة من النزاع.فقد بلغت خسائر الوظائف بين العمال الذين شملهم المسح 76.5% في محافظة النبطية و43.2% في محافظة الجنوب، وفق منظمة العمل الدولية.
لكن التقرير يؤكد في الوقت نفسه أن التأثير لم يتوقف عند المناطق التي شهدت المواجهات، بل امتد إلى مناطق أخرى نتيجة تراجع الطلب، وتباطؤ النشاط التجاري، والضغوط التضخمية واضطرابات الأسواق.
وهذا يعني أن الحرب لا تضرب مكانًا بعينه فقط، وإنما يمكن أن تنتقل آثارها الاقتصادية عبر سلسلة واسعة تبدأ من تعطّل الإنتاج والنقل، وتمتد إلى تراجع الاستهلاك والاستثمار وفرص العمل.
من أكثر العوامل التي كشفتها الدراسة تأثيرًا في سوق العمل النزوح.فقد كان أكثر من ثلث العمال الذين ظلوا نازحين خارج العمل، بينما كان 37.4% من العمال الذين شملهم المسح لا يزالون نازحين وقت إجراء الدراسة، إضافة إلى 14.2% نزحوا خلال النزاع ثم عادوا لاحقًا إلى منازلهم.
فالعمل يحتاج إلى الاستقرار، والمؤسسة تحتاج إلى مكان آمن، والعامل يحتاج إلى وسيلة نقل وإقامة مستقرة. وعندما تتعطل هذه العناصر، يصبح الحفاظ على الوظيفة أكثر صعوبة.
حتى عندما ينجح العامل في العثور على وظيفة جديدة، فإن ذلك لا يعني عودة الأمور إلى ما كانت عليه.فبحسب منظمة العمل الدولية، حصل العمال الذين وجدوا وظائف جديدة على دخل يقل في المتوسط بنسبة 30.7% عما كانوا يتقاضونه في أعمالهم السابقة، وانتقل كثير منهم إلى العمل غير المنظم أو العمل لحسابهم الخاص.
وهنا تظهر مشكلة أخرى: تراجع جودة العمل.فالاقتصاد قد يستطيع أحيانًا خلق نشاط مؤقت أو عمل بديل، لكن التحدي الحقيقي هو توفير وظائف مستقرة، بأجر عادل، وحماية اجتماعية، وحقوق واضحة.
لم تكن الخسائر متساوية بين جميع الفئات.وأظهر التقرير أن فقدان العمل كان مرتفعًا بصورة خاصة بين الأشخاص ذوي الإعاقة بنسبة 71.4%، والنساء بنسبة 44.3%، والشباب بين 15 و24 عامًا بنسبة 42.4%.
كما تضرر العاملون في الوظائف غير المنظمة بصورة أكبر.وهذا يعكس حقيقة اقتصادية واجتماعية مهمة: الأزمات لا تضرب الجميع بالطريقة نفسها، وإنما تكون كلفتها أكبر على من يدخلون سوق العمل أصلًا من موقع أضعف.
فالشاب الذي يبحث عن أول وظيفة قد يجد الأبواب مغلقة، والمرأة قد تواجه صعوبة أكبر في العودة إلى سوق العمل، والعامل غير المنظم قد يخسر مصدر رزقه من دون شبكة حماية كافية.
عندما يتراجع الدخل وترتفع كلفة المعيشة في الوقت نفسه، تبدأ الأسرة بتغيير أولوياتها.وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن الأسر اعتمدت بصورة كبيرة على مدخراتها لمواجهة الأزمة، فيما أفاد أكثر من 40% من العمال اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين الذين شملهم المسح بأنهم اضطروا إلى تأجيل سداد قروض أو فواتير، كما لجأ كثيرون إلى خفض الإنفاق على الغذاء.
وهنا تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة اجتماعية.فالمواطن الذي يخسر دخله لا يستطيع ببساطة إلغاء حاجاته الأساسية، ولذلك يبدأ عادة بتقليص الإنفاق على الغذاء أو الصحة أو التعليم أو تأجيل الالتزامات المالية، ما يترك آثارًا قد تستمر حتى بعد انتهاء الأزمة الأمنية.
ولا يمكن إنقاذ سوق العمل من دون إنقاذ المؤسسات التي توفر الوظائف.فالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة تواجه عادة قدرة محدودة على تحمل الصدمات، خصوصًا عندما تتعطل الأسواق أو ترتفع كلفة التشغيل أو تتراجع القدرة الشرائية للمستهلكين.
وقد حذرت منظمة العمل الدولية من هشاشة هذه المؤسسات أمام الأزمة، ودعت إلى دعمها ومساعدتها على الاحتفاظ بالعمال واستعادة نشاطها.
فإغلاق مؤسسة صغيرة لا يعني فقدان صاحبها لمصدر رزقه فقط، بل قد يعني فقدان عدة عائلات لدخلها في الوقت نفسه.
لا يبدو أن معالجة المشكلة يمكن أن تقتصر على مساعدات مؤقتة.فتقرير منظمة العمل الدولية يدعو إلى مجموعة من الإجراءات، بينها برامج للتعافي كثيفة العمالة، ودعم موجه للأجور، ومساندة النساء والأشخاص ذوي الإعاقة والعاملين لحسابهم الخاص، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتوسيع الحماية الاجتماعية، إلى جانب الاستثمار في التدريب والمهارات وتعزيز الانتقال من العمل غير المنظم إلى الاقتصاد المنظم.
وهذا يعني أن إعادة إعمار لبنان لا ينبغي أن تكون إعادة بناء للحجر فقط.فالاقتصاد يحتاج إلى إعادة بناء الإنسان العامل أيضًا.إعادة فتح مؤسسة، وترميم مصنع، وإصلاح طريق، وإعادة إعمار منزل، كلها خطوات مهمة، لكن قيمتها الاقتصادية والاجتماعية تكتمل عندما تخلق وظائف مستدامة وتعيد الأسر إلى دورة الإنتاج.
في لبنان، أصبح العمل بالنسبة إلى كثيرين أكثر من مصدر للدخل. إنه وسيلة للحفاظ على الكرامة والاستقلال والأمان الاجتماعي.ولهذا فإن فقدان الوظيفة خلال الأزمات لا يعني فقدان راتب فحسب، بل يمكن أن يعني فقدان الإحساس بالاستقرار وبالقدرة على التحكم بالمستقبل.
وتكشف نتائج منظمة العمل الدولية أن 45.5% من المشاركين اعتبروا المساعدة في العثور على عمل مستقر حاجتهم الأساسية، بينما قال 37.7% إنهم يحتاجون إلى دعم للحصول على دخل أعلى أو أكثر انتظامًا.وهذه النسب تحمل رسالة واضحة: الناس لا يريدون فقط مساعدات مؤقتة، بل يريدون العودة إلى العمل.
قد تنتهي جولة من التصعيد، وقد تعود بعض المؤسسات إلى العمل، وقد تتحسن بعض المؤشرات الاقتصادية، لكن التعافي الحقيقي سيبقى ناقصًا إذا لم تعد الوظائف إلى أصحابها ولم تستعد الأسر قدرتها على تأمين احتياجاتها.فإعادة إطلاق الاقتصاد اللبناني تبدأ من الإنسان العامل، ومن المؤسسة القادرة على الاستمرار، ومن الأجر الذي يسمح بالحياة الكريمة، ومن الحماية الاجتماعية التي تمنع الأسرة من السقوط عند أول صدمة.
إن لبنان لا يحتاج فقط إلى اقتصاد يتعافى من الحرب، بل إلى سوق عمل أكثر عدالة وقدرة على حماية الإنسان في مواجهة الأزمات.
فحين يفقد الإنسان عمله، لا يخسر راتبه فقط؛ بل يخسر جزءًا من أمانه ومستقبله. وحين تتسع دائرة فقدان الوظائف، تتحول الأزمة من مشكلة اقتصادية إلى قضية تمس المجتمع بأكمله.