
الإعلامي مشير فياض
هناك جريمةٌ صامتة تحدث كل يوم...
ولا أحد يتوقف عندها كما ينبغي:
اختفاء "الدهشة" من الإنسان.
لم يعد البشر يندهشون من شيء.الحروب تمرّ كخبرٍ عابر، وصور الموت تُقلّب بالإصبع ذاته الذي يُقلّب صور الطعام والرقص والنكات.لقد تحوّل العالم إلى آلةٍ ضخمة لتخدير المشاعر.فالإنسان الذي كان يبكي قديماً عند سماع مأساة مدينةٍ بعيدة، صار اليوم يشاهد ألف مأساة قبل النوم ثم يقول: "ما الجديد؟"
وهنا تكمن الكارثة...
حين يفقد الإنسان دهشته، يفقد جزءاً من روحه... لأن الدهشة ليست ترفاً، بل دليل حياة.أن تندهش من طفلٍ يضحك رغم الفقر... فأنت حي.أن تهتزّ من منظر أمٍّ تنتظر ابنها... فأنت حي.أن يغضبك الظلم، ويكسر قلبك مشهد الدم، ويُربكك الجمال... فأنت لم تتحوّل بعد إلى حجر.لكن العالم الحديث يدرّب الناس على التبلّد.فكل شيء صار سريعاً إلى درجة أن المشاعر نفسها لم تعد تجد وقتاً كي تكتمل.حتى الحزن أصبح مستعجلًا...وحتى الفرح صار قصير العمر، هشّاً، يشبه ومضة إعلان...ترى الإنسان يقرأ عن مجاعة، ثم ينتقل فوراً إلى مباراة كرة قدم، ثم إلى إعلان عطر، ثم إلى فيديو ساخر...وكأن العقل البشري تحوّل إلى غرفة طوارئ مكتظة بالفوضى.
الخطير أننا لم نعد نعيش الأحداث.. بل نستهلكها.
نستهلك البشر، والكوارث، والقصص، وحتى الأحلام.ولهذا صار العالم مليئاً بالناس... وفقيراً بالإنسانية.ما يجب خشيتهُ ، أن يكبر جيلٌ لا يعرف معنى الانبهار بشروق الشمس، ولا رهبة القصائد، ولا قيمة الصمت، ولا حرمة الدموع.
جيلٌ يرى كل شيء.. ولا يشعر بأي شيء.وعندها لن تحتاج البشرية إلى حربٍ كي تنهار، لأن الخراب الحقيقي يبدأ عندما تموت الأحاسيس داخل الإنسان وهو ما يزال يمشي على قدميه.