حين تتصارع الوحوش على غفلة البراءة - إيمان أبو شاهين يوسف

الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف

في فجر يوم يتيم من ذلك الضوء الأبدي، كان البلبل ينشد في صمت الليل صلاته ، ويرسلها حرّةً على جناح النسيم؛  يسبِّح بجمال الطلوع، ويغسل قلبه  بندى السماء، مطمئناً الى عدالة لا تُرى لكنها تُحسُّ في اتساع الكون وهدوئه.                                كان يُغنِّي كمن يوقن أن الوجود كلّه يتنفّس بإيقاع واحد من الطمأنينة، وأن المعنى يسكن في انسجام الأشياء لا في صراعها. لكن العلوَّ الذي ظنّه مأمناً ، كان في لحظةٍ واحدة، باباً مفتوحاً على السقوط. 

فجأة !!!                                                                                                        انقضَّ عليه نسر من علوِّه، كظلّ الحقيقة حين تُجرَّد من رحمتها. ضربه بمنقاره الحاد على رأسه فأَسقَطَه وأُسْقِط النشيد معه الى الأرض كما تسقط الفكرة من عالمها المضيء الى قسوة الواقع.                          

 ولم يكد البلبل يلتقط ارتطام وجوده على الأرض، حتى حَضَرَ ثعلبٌ مكّارٌ خارجٌ من جوع الليلِ الطويل، وصار يقترب من البلبل وكأن الجوع نفسه صار هيئة تمشي على الأرض.                                 

رأى الثعلب في الجسد الساقط من السماء فرصة أودعتها المصادفة في طريقه، وفي الضعف دعوة لا تُرد. هنا لم يعد المشهد مشهد فريسة ومفترس، بل صار مسرحاً تتنازع فيه صورتان من القوّة على معنى الحق في الإمتلاك.                                                                                                      

كان النسر ينقضُّ على البلبل بوصفه امتداداً مباشراً لقانون الغلبة، كأن ما يسقط من السماء يعود الى صاحبه الأول.     

بينما الثعلب كان يلتفُّ حول اللحظة بدهاء بارد، كأنه يحاول تحويل الزمن نفسه الى فرصة قابلة للإقتناص. وبين جناح يضرب في العلن، وخطوة تتخفّى في الظل، تشكّل صراع لا يخصّ جسد البلبل وحده، بل يخصُّ فكرة السيطرة ذاتها. 

وفي قلب هذا الإضطراب، كان البلبل مشتتاً، يفتح عينيه على عالم يتفكّك أمام يقينه القديم. لم يعد يعرف أين تنتهي الرحمة وأين تبدأ القسوة، ولا أين يقف العدل في نظام كهذا. 

كان بين الألم والوعي كمن أُُخْرِِجَ من معنى الحياة دون أن يُمنَح معنى بديلاً. لكن المأساة الأعمق لم تكن في السقوط، بل في وعيه المرتبك وهو يشهد ما يجري حوله. إذ لم يَعُد يرى نفسه مجرّد ضحية، بل صار يُشارك في تأويل مصيره وتبرير النتائج المحتملة. 

كان يتأمل النسر حيناً كقوّة صريحة لا تُخفي قانونها، ثمّ يميل الى الثعلب حيناً آخر كدهاء يؤجّل النهاية. وفي كلّ مرّة كان يختار "أهون الشرّين"، وكأن الفناء يُمكن أن يُخفّف إذا أعيد تصنيفه. وهكذا تحوّل الوعي نفسه  عند البلبل الى عبءٍ إضافي فوق الألم، إذ صار يُراقب نهايته وهو يُحاول فهمها بدل أن ينجو منها. 

بين قوّة تفرض حضورها بلا قناع، وأخرى تتقدّم متخفية باسم الحيلة، تلاشت الحدود بين الفريسة والمعنى، ولم يبق سوى جسدٍ صغيرٍ في مركز صراعٍ أكبر من احتماله. وحين خَفت الصراع لحظة، لم يتضح من انتصر؛ لأن ما كان يجري لم يكن سباقاً على جسد، بل كشفاً عن طبيعة عالمٍ لا يبقى فيه الضعف إلا كاختبار للمعنى، وبقي البلبل في تلك اللحظة، بين ما كان يعتقده عن السماء، وما اكتشفه في الأرض، كأن السؤال الحقيقي لم يعد: من ينجو؟ بل : كيف يمكن للبراءة أن تفهم ما تراه دون أن تنكسر بالكامل؟ وفي صمت أثقل من الضحيح، بدا كأن الوجود كلّه يهمس: ليس سقوط البلبل هو المأساة...بل استيقاظه على أن لا أحد يسقط وحده في هذا العالم. 

وبقي البلبل مستلقياً على الأرض ، مشوش الفكر، بين ما كان يظنه عدالة السماء، وما يراه من فوضى الأرض، بين معنى يتفكّك أمام عينيه وواقع لا يقدّم له تفسيراً. لم يعرف إن كان ما يحدث له ظلماً محضاً، أم قانوناً خفيّاً لا يرحم البراءة. لكن ما كان مؤكداً أنه لم يعد كما كان قبل السقوط، وأن الغناء الذي بدأ به الصباح، قد تحوّل في داخله الى سؤالٍ مفتوح لا إجابة له. 

وفي تلك اللحظة، لم يعد النسر نسراً كما كان في السماء، ولا الثعلب ثعلباً كما تخيّله في الجوع... بل صار كلاهما وجهين لعالم واحد، لا يميّز بين العدالة والإفتراس، ولا بين الرحمة والبقاء. وظلّ السؤال معلّقاً في الهواء الذي سقط منه: هل كان موتي ظلماً... أم أن جهلي بالظلم هو أول أشكاله؟؟؟