حين يخون السند صاحبه- إ. إيمان أبو شاهين يوسف

الكتابة والباحثة الاستاذة 

إيمان أبو شاهين يوسف   

عندما يُجرح الفرس، لا يتألم الجسد وحده، بل تتصدَّع الفكرة التي كان الفارس يعيش بها. فالفرس ليس مجرّد دابة تُركَب، بل كائن صامت يحمل عبء الطريق: إندفاعه، غروره، استعجاله، وحتى أوهامه. 

وحين يسقط الفرس في جرحه، يُجْبَر الفارس على النزول، ليس الى الأرض فقط، بل الى نفسه. في البدء يحاول الفارس الإنكار. يَشدُّ اللجام، يضغط بكعبيه على بطن الفرس، طالباً من الجسد النازف أن يواصل. لكنه يكتشف سريعاً أن الجرح لا يساوم، وأن الحقيقة أحيانا ترفض أن تُستعمل. 

هنا تبدأ المأساة الحقيقية: ليس لأن الفرس جريح، بل لآن الفارس لم يتعلّم السير من دون فرسه. لقد بنى معنى قوّته على شيء خارج عنه، وحين انكسر ذلك الشيء، انكشف عجزه المستتر. 

عندئذٍ لا تكون طريق الفارس اختياراً بين الإستمرار والتوقف، بل تصير سؤالاً وجودياً: من أنا إذا لم أكن فارساً يستقلُّ الفرس؟ هل أنا الذي يصل الى الهدف في نهاية الطريق، أم أنا الذي يُحمَل الى الوصول؟. 

بعض الفرسان يتركون الفرس عندما يصاب بسهم او رصاصة أو يُجرَح، ويمضون وحدهم بخطى متعثِّرة وقلوب قاسية. يصلون، نعم، لكن الطريق معهم تصبح صحراء قاحلة، خالية من الشعور. وأما البعض الآخر، فيجلس قرب الفرس الجريح، ليس بدافع الرحمة فقط، بل لأنهم أدركوا أن الفرس لم يكن وسيلة فقط، بل شريكاً في المعنى. 

هؤلاء لا يسألون متى نكمل الطريق، بل ماذا يكشف هذا التوقف لنا؟ وفي هذا السؤال يتحول جرح الفرس من عائق امام الفارس الى مرآة تعكس له صورته الحقيقية. 

هناك حين يطول الإنتظار ويبرد اندفاع الغاية، يبدأ الفارس برؤية ما لم يكن يُرى من قبل، ويعلم أن السرعة كانت تخفي ضعفه، وأن الوصول كان يؤجل مواجهته لنفسه، وأن الفرس الذي كان يمتطيه كان يحمل عنه أكثر مما يحتمل. إذا شُفِيَ الفرس، لن يعود الراكب كما كان.و لن يَطْلُب من الفرس امتطاءً بل اتفاقاً، ولن تكون الطريق سباقاً بل مصاحبة. 

وإذا لم يُشْفَ الفرس وتحوّل الجرح الى نهاية، فإن الفارس الذي بقي حيّاً، لن يكون خاسراً. لأنه تعلَّم ما هو أثمن من الوصول. 

تعلَّم أن يسير بذاته، وأن يتحمّل بطء المعنى، وأن يعرِف أن ما ينكسر في الخارج يكشف هشاشة الداخل. 

وهكذا، فإن طريق الفارس حين يُجْرَح الفرس لن تكون طريقاً الى الأمام، بل طريق نزولي، حيث يُخْلَع عنه وهم السيطرة ويُعاد الى حجمه الإنساني الأول: كائن لا يملك الطريق، بل يتعلمها خطوة خطوة.