
الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف
منذ زمن بعيد يُراودني سؤال بسيط في صياغته، عميق في دلالته، عسيرٌ في ألإجابة عليه: من هو ذلك الذي يتكلّم حين أقول: يؤلمني رأسي؟ قد يبدو السؤال ساذجاً للوهلة الأولى، لكن ما إن نتأمله حتى تنكشِف خلفه هوّة فلسفية واسعة.
فعندما أقول: يؤلمني رأسي، فإنني أميّز بيني وبين رأسي. الرأس جزءٌ مني، ومع ذلك لا أقول:" أنا أتألم" فحسب، بل أنسب الألم الى عضوٍ أملكه. وحين أقول: جُرِحَ قلبي، فإنني أميِّز بيني وبين قلبي، رغم أن القلب هنا ليس العضلة التي تضخ الدم، بل موضع المشاعر والوجدان.
فمن هو هذا المتكلم الذي يقف في مكان ما خلف الجسد وخلف العاطفة ، ويشير إليهما كما لو أنه ليس أحدهما؟ كلما تعمّق الإنسان في مراقبة نفسه ازداد هذا السؤال غموضاً.
فأنا أقول: جسدي، عقلي، ذاكرتي، مشاعري، أفكاري... وكل كلمة من هذه الكلمات تحمل في طياتها اعترافاً ضمنياً بوجود ذاتٍ تتحدث عن هذه الأشياء دون أن تكون هي نفسها تلك الأشياء. فلو كنت جسدي بالكامل، فما معنى أن أقول" جسدي؟ ولو كنت أفكاري عينها، فما معنى أن أقول أفكاري؟ إننا نستطيع أن نُراقب أجسادنا، وأن نتأمل أفكارنا، وأن نُحاكم مشاعرنا، بل وأن نُعارِض رغباتنا نفسها. وفي كلِّ مرّة نفعل ذلك يظهر ذلك الحاضر الخفي الذي يبدو وكأنه يقف خلف هذه الظواهر، يُلاحِظها دون أن يتحوّل هو نفسه الى موضوع الملاحظة.
إن الرأس يمكن أن يكون موضوعاً للوعي، وكذلك الألم، والقلب، والحزن، والفرح، والذاكرة. أما ذلك الذي يشهد كلّ هذه الأشياء فلا يظهر أمامنا بالطريقة نفسها. إنه حاضِرٌ في كلِّ تجربة، لكنه لا يقف أمامنا كشيء من الأشياء.
ولهذا السبب حاول الإنسان عبر التاريخ أن يمنحه أسماء عديدة.
فسمّاه بعضهم الروح، وسمّاه آخرون النفس، وآخرون الذات أو الوعي. غير أن اختلاف الأسماء لم ينهِ هذا اللغز، لأن المشكلة لا تكمن في التسمية، بل في ماهية هذا الحضور نفسه. إننا لا نعرِفه من خِلال رؤيته مباشرة.
نعرِفُه لأنه الشاهد الدائم على تغيير كلّ شيء. فالجسد يتبدَّل مع السنين، والأفكار تتغيَّر، والعواطف تتقلَّب، والذكريات تتراكم ثمَّ تتلاشى، ومع ذلك يبقى هناك شعور غامض بالإستمرار، شعور يقول في كلِّ مرحلة من مراحل العمر: "أنا".
وهنا يبرُز السؤال الذي لم تستطِع الفلسفة أن تحسِمه بصورة نهائية: هل هذا ال"أنا" كيان حقيقي قائم بذاته، أم أنه مجرّد اسم نطلقه على ذلك الحضور الذي يُرافق خبرتنا بالحياة؟ قد لا نجِد جواباً قاطعاً.
لكن المؤكد أن الإنسان ليس مجرّد جسد يشعُر، ولا مجرّد عقل يُفكِّر.
ففي أعماقه يُقيم ذلك المُتكلِّم الصامت الذي يرافقه منذ طفولته حتى آخر لحظة من حياته؛ ذلك الذي لا نراه ولا نستطيع الإشارة إليه ، ومع ذلك لا نستطيع إنكار وجوده، لأنه هو نفسه يسأل الآن: من أنا؟