زنوبيا... الملكة التي تحدّت روما وخلّدها التاريخ

كانت زنوبيا، أو الزبّاء كما عُرفت في التراث العربي، واحدة من أعظم الملكات اللواتي عرفهنّ التاريخ القديم، ورمزًا للقوة والطموح والحنكة السياسية. 

فقد استطاعت في القرن الثالث الميلادي أن تحوّل مدينة تدمر، تلك الواحة المزدهرة الواقعة في قلب الصحراء السورية، إلى عاصمة لإمبراطورية امتد نفوذها من بلاد الشام إلى مصر وأجزاء واسعة من آسيا الصغرى، لتصبح بذلك من أبرز الشخصيات النسائية التي تركت أثرًا عميقًا في تاريخ الشرق والعالم القديم.ولدت زنوبيا في بيئة امتزجت فيها الحضارات الشرقية بالرومانية، ونشأت في مدينة تدمر التي كانت تشكل حلقة وصل بين الشرق والغرب، ومركزًا تجاريًا مزدهرًا على طريق الحرير. 

وقد عُرفت بثقافتها الواسعة، إذ تشير المصادر التاريخية إلى أنها أتقنت عدة لغات، من بينها الآرامية واليونانية والمصرية، وامتلكت معرفة بالأدب والفلسفة والتاريخ، الأمر الذي انعكس على شخصيتها القيادية ورؤيتها السياسية.

بدأت مرحلة التحول الكبرى في حياتها بعد اغتيال زوجها الملك أذينة (سبتيميوس أذيناتوس) نحو عام 267 للميلاد، وهو الحاكم الذي نجح في حماية المشرق من الغزو الفارسي وأصبح حليفًا قويًا للإمبراطورية الرومانية. 

وبعد مقتله، تولّت زنوبيا الوصاية على ابنها الصغير وهب اللات، المعروف في المصادر اللاتينية باسم فابالاثوس، لكنها لم تكتفِ بدور الوصية، بل أمسكت بزمام الحكم بكل ثقة، وأظهرت قدرة استثنائية على إدارة شؤون الدولة في فترة كانت الإمبراطورية الرومانية تعاني خلالها اضطرابات سياسية وعسكرية كبيرة.

أدركت الملكة أن ضعف روما يمنح تدمر فرصة تاريخية لتوسيع نفوذها، فباشرت بإعادة تنظيم الجيش وتعزيز سلطتها، ثم أطلقت حملات عسكرية ناجحة انتهت بسيطرة قواتها على مصر، التي كانت تمثل أحد أهم أقاليم الإمبراطورية الرومانية ومصدرًا رئيسيًا للقمح. ولم تكتفِ بذلك، بل امتد سلطانها إلى معظم بلاد الشام وفلسطين وأجزاء واسعة من الأناضول، حتى أصبحت الإمبراطورية التدمرية قوة إقليمية تنافس روما نفسها، وتتحكم بطرق التجارة التي تربط الشرق بالغرب.

وخلال فترة حكمها، لم تعتمد زنوبيا على القوة العسكرية وحدها، بل أولت اهتمامًا كبيرًا بالإدارة والاقتصاد والثقافة. فقد حافظت على ازدهار تدمر كمركز تجاري عالمي، وشجعت النشاط الثقافي والعلمي، وعملت على تعزيز مكانة مدينتها بوصفها عاصمة حضارية تجمع بين التقاليد الشرقية والتأثيرات الهلنستية والرومانية، مما منحها مكانة استثنائية في ذلك العصر.

لكن هذا التوسع السريع أثار قلق الإمبراطور الروماني أوريليان، الذي رأى في استقلال تدمر خطرًا مباشرًا على وحدة الإمبراطورية. وفي عامي 272 و273 للميلاد قاد حملة عسكرية كبيرة لاستعادة الأقاليم الشرقية، فواجهت جيوش زنوبيا القوات الرومانية في عدة معارك انتهت بهزيمتها وانسحابها إلى تدمر. وحين حاولت الفرار شرقًا طلبًا للمساعدة، أُلقي القبض عليها قبل أن تتمكن من الوصول إلى حلفائها.

أما ما حدث بعد أسرها، فلا يزال موضع نقاش بين المؤرخين. فالمصادر الرومانية تذكر أنها اقتيدت إلى روما، حيث شاركت في موكب النصر الذي أقامه الإمبراطور أوريليان، ثم مُنحت إقامة مريحة وعاشت بقية حياتها هناك. في المقابل، تورد بعض الروايات المتأخرة نهايات مختلفة، منها أنها توفيت في الأسر أو أنهت حياتها بنفسها، إلا أن هذه الروايات لا تحظى بإجماع تاريخي، مما يجعل خاتمة حياتها واحدة من أكثر صفحات سيرتها غموضًا.

ورغم سقوط إمبراطوريتها، بقي اسم زنوبيا حاضرًا في ذاكرة الشعوب بوصفها مثالًا للمرأة التي امتلكت الشجاعة والطموح والرؤية السياسية. 

فقد أصبحت رمزًا للصمود والاستقلال، واستلهم الأدباء والشعراء والفنانون شخصيتها في أعمالهم على مدى قرون، كما ارتبط اسمها ارتباطًا وثيقًا بمدينة تدمر التي لا تزال آثارها شاهدة على مرحلة من أكثر مراحل تاريخها ازدهارًا.

لقد أثبتت زنوبيا أن القيادة ليست حكرًا على الرجال، وأن الإرادة والذكاء يمكنهما تغيير مسار التاريخ، حتى وإن انتهت التجربة بالهزيمة العسكرية. 

فاسمها ما زال يتردد بعد ما يقارب ألفي عام، ليس فقط لأنها تحدّت أعظم إمبراطورية في عصرها، بل لأنها تركت إرثًا حضاريًا وسياسيًا جعلها واحدة من أكثر الملكات تأثيرًا وإلهامًا في التاريخ الإنساني.