
الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف
هناك، في صباح كلّ يوم، لحظة تبدو عادية في مظهرها، لكنها تُخْفي سرّاً عميقاً في قلب الوجود.
لحظة ينسحب الليل فيها ببطء، ثمَّ ترتفع الشمس من وراء الأفق وكأنها توقظ الأرض من نومها العميق. فجأة ينبعث النشاط ويمتلئ العالم بالحركة.
الأزهار تفتح اكمامها بلطف وعناية، وبخفة تحلِّق الطيور متمايلة في رحاب الفضاء الواسع، ثمّ تندفع الكائنات جميعها الى البحث عن الخير وجمع الأرزاق، وكأن الضوء سلطان يرسل أمراً خفيّاً للحياة ويقول لها: انهضي واعملي. لكن إذا تأملنا هذا المشهد قليلاً، سنكتشف مفارقة غريبة.
فالكائنات كلّها تستجيب لنداء الشمس بصورة متشابهة باستثناء الإنسان.
فالإنسان وحده يستجيب لها بطريقة مختلفة. الحيوان يخرج الى الحقل بحثا عن غذائه، فإذا شَبِعَ هدأت حركته واستلقى في سكينة الطبيعة. حاجته هي حدَّه، وشبعَه نهاية سعيه.
أمّا الإنسان فينهض تحت الضوء نفسه، لكن شيئاً آخر يستيقظ فيه مع النهار، رغبة لا تعرِف الإكتفاء.
يبدأ سعيه من الحاجة، لكنّه سرعان ما يتحوّل الى رغبة في المزيد، ثمَّ الى طموح، ثمّ الى منافسة، ثمّ الى صراع.
وهنا يبدأ التاريخ الإنساني. وبالعودة الى الفيلسوف "توماس هوبز" فقد رأى أن الإنسان في عمق طبيعته، يعيش في حالة تنافس دائم.
فالخوف من الآخرين والرغبة في التفوق يدفعانه الى الصراع، حتى يصبح العالم ساحة محتملة للحرب.
وفي ضوء النهار، حيث تعمل العقول بكامل قوّتها، تُرسم الخطط وتُحشَد الطاقات، ويبدأ العقل البشري في تحويل إرادته الى قوّة.
لكن الفيلسوف "فريدريك نيتشيه" رأى في هذا الإندفاع معنى أعمق. فالإنسان في نظره، تحرِّكه القوّة، تلك الطاقة التي تدفعه الى تجاوز حدوده وتوسيع مجاله في العالم، هذه الإرادة قد تصنع الحضارات والثقافات والفنون المختلفة، لكنّها قد تتحوَّل أيضاً الى صراع عندما تتخذ شكل الهيمنة والسيطرة والتسلّط.
وهكذا، بينما تنضج سنابل القمح في ضوء الشمس، تنضج في عقول البشر مشاريع القوّة والعظمة .
ومن هذا الضوء الذي يوقظ إرادة الحياة، يولد أحياناً أكثر وجوه التاريخ الإنساني قسوة وبشاعة. لكن الشمس ليست المسؤولة عن ذلك.
فلو كانت الطبيعة وحدها هي التي تحكم الكائنات، لبقي الإنسان مثل باقي الحيوانات، يسعى بقدر حاجته فقط. غير أن الإنسان يمتلك ما هو أخطر من الحاجة. يمتلك الوعي.
ومع الوعي تظهر المقارنة، ومع المقارنة تظهر الغيرة، ومع الغيرة يبدأ التنافس. لهذا اعتقد الفيلسوف "جان جاك روسو" أن الإنسان كان في بساطته الأولى أكثر سلاماً، وأن الحضارة أدخلت بين البشر شعور المقارنة والتفاضل.
فمنذ اللحظة التي قال فيها الإنسان لأول مرة: "هذا لي"، بدأت بذور الصراع الاجتماعي. لكن هذا الضوء الذي يكشف الطموح في النهار ليس الوجه الوحيد للنفس البشرية. فعندما تغيب الشمس، ويتقدّم الليل بهدوء، يظهر في السماء ضوء القمر.
القمرلا يصعد بقوّة وعنف، ولا يملأ الفضاء بوهج حارق، بل يُرسِل ضوءاً رقيقاً كأنّه دعوة الى السكون.
في تلك اللحظة يتغيّر إيقاع العالم كلّه. تهدأ الضوضاء، وتخفُّ حركة الأشياء، ويبدأ الإنسان في الإصغاء الى صوته الداخلي.
في ضوء القمر لا تُرسَم خرائط الحروب، بل تُكتب قصائد الحبِّ والغزل.
ولا تتواجه الجيوش، بل تهدأ النفوس وتتلاقى القلوب. ربما لهذا رأى الفيلسوف "بليز باسكال" أن عظمة الإنسان لا تكمن في قوّته البدنية أو المادية، بل في قدرته على التفكير والشعور.
فالإنسان ليس مجرّد كائن يسعى وراء حاجاته المادية، بل كائن يتأمل وجوده نفسه. وهكذا يبدو الكون وكأنه يعرض أمام الإنسان درسين كلّ يوم. درس النهار، ودرس الليل.
ففي النهار يتعلّم الإنسان كيف يعمل ويغيّر العالم. وفي الليل يتعلّم لماذا يعيش وما سبب وجوده في هذه الحياة.
لكن المشكلة تبدأ حين ينسى الإنسان درس الليل، حين يكتفي بشمس القوّة ولا يصغي الى قمر الهداية والحكمة. عندها يتحوّل نور المعرفة الى أداة للسيطرة والطغيان، وتتحوّل الحضارة الى سباق للقوّة والتوسّع.
وقد لاحظ " سيغموند فرويد" أن النفس البشرية تحمل في أعماقها توتّراً دائماً بين دافعين متناقضين: دافع الحياة والحب من جهة، ودافع العدوان والسيطرة من جهة أخرى. والحضارة في كثير من الأحيان، ليست إلّا محاولة دائمة للسيطرة على هذا الصراع الداخلي.
من هنا يمكن فهم المفارقة الكبرى في تاريخ الإنسان: كلّما زاد ضوء المعرفة في عقله، ازدادت أيضاً قدرته على الحرب.
لكن هذا لا يعني أن المعرفة لعنة، بل يعني أن النور وحده لا يكفي.
فالشمس تمنح الإنسان النور والطاقة، لكن القمر يمنحه اللطافة والبصيرة. وما لم يتعلّم الإنسان أن يعيش بين هذين الضوئين، سيظل تاريخه يتأرجح بين البناء والهدم، وبين الحضارة والصراع.
لأن الإنسان في داخله شمس تدفعه الى الإنجاز، كما في داخله قمرٌ يدعوه الى المحبة والرحمة.
وحين يتوازن الضوءان في قلب الإنسان، تتوقف الحروب في داخله، وتلتقي الشمس مع القمر في عناق هادئ يولد منه نور الحكمة والهداية.