
السَّعَادَةُ لَيْسَتْ وَعْداً مُعَلَّقاً عَلَى شَرْطٍ، وَلَا ثَمَرَةً تُقْطَفُ عِنْدَ اكْتِمَالِ مُتَعِ الْحَيَاةِ، وَلَا هِيَ مَعْدِنٌ مَخْفِيٌّ فِي الْآخَرِ، يُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَسْتَدِرَّهُ بِالْتَمَلُّكِ أَوِ التَّعَلُّقِ. السَّعَادَةُ نَبْضٌ يَتَوَلَّدُ مِنْ أَعْمَاقِ النُّورِ، وَمِنْ تَجَلِّيهِ فِي الْقَلْبِ حِينَ يَسْتَيْقِظُ، وَمِنْ فَهْمِ النَّفْسِ لِذَاتِهَا كَمَجْرًى لِسَرَيَانِ الْحَقِّ، لَا كَوِعَاءٍ لِرَغَبَاتِ الْأَنَا.
لَيْسَتِ السَّعَادَةُ حَالًا تُنَالُ بِغَلَبَةٍ أَوْ مَنَاصَبَةٍ، وَلَا مَنْزِلًا يُبْنَى بِقَوَامِ الطَّمَعِ وَالِاسْتِمْلَاكِ، وَلَا لَحْظَةً تَنْفَجِرُ بِمُتْعَةٍ ثُمَّ تُطْفِئُ نَفْسَهَا.
كُلُّ مَا تَطْلُبُهُ الْغَرَائِزُ يَفْنَى فِي لَحْظَةِ حُصُولِهِ، كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ، وَتَبْقَى الرَّغْبَةُ أَقْوَى مِنْ حَقِيقَةِ مَا تُرِيدُ.
فَكَمْ مِنْ شَيْءٍ بَدَا فِي فِكْرِنَا قِمَّةَ النَّشْوَةِ، فَلَمَّا قَرُبْنَا مِنْهُ زَالَ بَهَاؤُهُ، وَظَهَرَ ضُعْفُهُ، وَعَلِمْنَا أَنَّ قُوَّةَ التَّمَنِّي أَعْظَمُ مِنْ حَقِيقَةِ الْمَنْالِ.
وَلِهَذَا كَانَتِ الْأَنَا،،، فِي مَعْرِكِهَا الْمُتَوَاصِلِ مَعَ أَشْبَاحِ الْحَاجَاتِ،،، مَصْدَرَ تَعَبٍ وَافْتِرَاقٍ أَكْثَرَ مِنْ كَوْنِهَا جِسْرًا لِلتَّلَاقِي.
فَالْأَنَا لَا تَتْعَبُ لِأَنَّهَا تَطْلُبُ، بَلْ لِأَنَّهَا تَطْلُبُ مَا لَا يُشْبِعُهَا. تُرِيدُ مَا يَخْتَفِي، وَتَتَعَلَّقُ بِمَا يَزُولُ، وَتَظُنُّ أَنَّ الزَّوَالَ خِيَانَةٌ مِنَ الْحَيَاةِ، مَعَ أَنَّهُ طَبِيعَتُهَا الْأَزَلِيَّةُ.
تُرِيدُ الثَّبَاتَ فِي كَوْنٍ كُلُّهُ سَيْلٌ، وَتُرِيدُ الدَّوَامَ فِي مَجَالٍ مَبْنِيٍّ عَلَى التَّغَيُّرِ.
السَّعَادَةُ لَا تَنْبُتُ مِنْ تَمَلُّكٍ، بَلْ مِنْ تَجَرُّدٍ.
وَلَا تَتَشَكَّلُ فِي مِقْيَاسِ مَا نَحْصُلُ عَلَيْهِ، بَلْ فِي طَهَارَةِ مَا نَفْهَمُهُ. وَلَا تَسْكُنُ فِي حَيِّزِ أَشْيَاءٍ نُبَادِلُهَا، بَلْ فِي مَسَاحَاتِ النُّورِ الَّتِي نَنْفَتِحُ عَلَيْهَا.
إِنَّهَا حَالٌ يَتِلَأْلَأُ فِي الْقَلْبِ حِينَ يَتَطَهَّرُ مِنْ ضَوْضَاءِ الْأَنَا، وَيَعُودُ إِلَى أَصْلِهِ الأَقْرَبِ: إِلَى جَوْهَرِ النُّورِ الَّذِي صُنِعَ مِنْهُ.
لَيْسَتِ السَّعَادَةُ هَرَباً مِنْ مَتَاعِ الْعَالَمِ، وَلَا سَخَطاً عَلَى أَشْكَالِهِ، بَلْ هِيَ نُضْجٌ يَمْنَحُ الْقَلْبَ قُوَّةَ أَنْ يَرَى كُلَّ شَيْءٍ فِي مَوْضِعِهِ، وَأَنْ يَقْبَلَ الْأَشْيَاءَ كَمَا هِيَ لَا كَمَا يُرِيدُهَا.
إِذْ لَا سَعَادَةَ لِقَلْبٍ يُخَاصِمُ الْكَوْنَ، وَلَا نُورًا لِبَصِيرَةٍ تَسْتَنْكِفُ مِنْ طَرِيقِ الْحَقِيقَةِ.
السَّعَادَةُ هِيَ تَصَالُحُ الإِنْسَانِ مَعَ وُجُودِهِ، قَبْلَ أَنْ يَتَصَالَحَ مَعَ أَحَدٍ.
فَمَا لَمْ يَسْكُنْ فِي ذَاتِهِ سَلْمٌ، لَنْ يَجِدَ فِي الْعَالَمِ إِلَّا قِصَاصَاتٍ مِنْ سَلْمٍ مُتَقَطِّعٍ. وَمَا لَمْ يَسْتَجِبْ لِدَعْوَةِ نُورِهِ الدَّاخِلِيِّ، سَتَتَشَتَّتُ خُطُوَاتُهُ بَيْنَ تَمَنِّياتٍ لَا تَنْتَهِي، وَخَيَالَاتٍ تُعِيدُهُ دَائِمًا إِلَى نُقْطَةِ الْبِدَايَةِ.
السَّعَادَةُ لَا تَأْتِي إِلَى الْإِنْسَانِ كَضَيْفٍ مُبَاغِتٍ، بَلْ تُبْنَى فِيهِ كَضِيَاءٍ يَنْشَأُ مِنْ أَعْمَاقِ الْهُدُوءَ، ثُمَّ يَتَّسِعُ كَمَا تَتَّسِعُ دَائِرَةٌ فِي مَاءِ صَافٍ.
لَا تُنَالُ بِالسَّعْيِ المُتَوَتِّرِ، بَلْ بِالتَّصْفِيَةِ وَالْجِدِّ الصَّامِتِ الَّذِي يَرْفَعُ الْغُبَارَ عَنْ مِرْآةِ النَّفْسِ.
السَّعَادَةُ نُورٌ يَسْكُنُ الْقَلْبَ حِينَ يَعُودُ إِلَى ذَاكِ الِاتِّزَانِ الْأَصِيلِ الَّذِي فِيهِ وُلِدَ. إِلَى تِلكَ الْفِطْرَةِ الْأُولَى الَّتِي لَا تَطْلُبُ إِلَّا مَا يَجْعَلُهَا أَقْرَبَ إِلَى نَبْعِ الْخَيْرِ، وَلَا تَسْعَى إِلَّا لِمَا يَجْعَلُهَا أَصْدَقَ فِي مَحَبَّتِهَا، وَأَنْقَى فِي تَوَاضُعِهَا، وَأَحْكَمَ فِي نَظْرَتِهَا.
السَّعَادَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ اِرْتِيَاحٍ نَفْسِيٍّ، بَلْ هِيَ قُدْرَةُ النَّفْسِ عَلَى أَنْ تَتَلَاءَمَ مَعَ الْحَقِّ، وَأَنْ تَرْضَى بِمَا وَقَعَ، وَأَنْ تُحِبَّ مَا هُوَ خَيْرٌ، وَأَنْ تَتْرُكَ مَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ، لَا عَزُوفًا وَلَا زُهْدًا، بَلْ لِأَنَّ النُّورَ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ مَا يُعَكِّرُهُ.
السَّعَادَةُ هِيَ تَعَلُّمُ الْقَلْبِ فَنَّ التَّخَلِّي، لِيَفْتَحَ بَابَ التَّجَلِّي.
فَمَا دُمْنَا نُحَافِظُ عَلَى مَا يُؤْذِينَا، سَوَاءٌ خَوْفاً أَوْ تَعَلُّقاً أَوْ عَادَةً، لَنْ يَدْخُلَ إِلَيْنَا مَا يُنِيرُنَا.
وَمَا دُمْنَا نَحْمِلُ فِي دَوَاخِلِنَا ثِقْلَ الْأَفْكَارِ الَّتِي لَا تُشْبِهُنَا، سَيَبْقَى النُّورُ يَدْقُ عَلَى أَبْوَابِنَا دُونَ أَنْ نَفْتَحَ.
السَّعَادَةُ لَا تَحْدُثُ فِي أَعْمَاقِ الْإِنْسَانِ إِلَّا حِينَ يَفْهَمُ أَنَّ جَدْوَى الْحَيَاةِ لَيْسَتْ فِي الزِّيَادَةِ، بَلْ فِي النَّقَاوَةِ.
وَلَيْسَتْ فِي أَنْ نَمْلِكَ أُفُقاً أَكْبَرَ، بَلْ فِي أَنْ نَرَى الْأُفُقَ الْقَائِمَ بِنُورِ الْبَصِيرَةِ. وَلَيْسَتْ فِي أَنْ نَسْتَحْوِذَ عَلَى الْأَشْيَاءِ، بَلْ فِي أَنْ نَسْتَقِيمَ مَعَ مَا هُوَ حَقٌّ، فَيُصْبِحَ الْكَوْنُ كُلُّهُ عَلَى جِهَةٍ وَنَفْسُنَا عَلَى مِثَالِهِ.
السَّعَادَةُ هِيَ أَنْ يَتَحَوَّلَ الْإِنْسَانُ مِنْ طَالِبٍ لِلنُّورِ، إِلَى حَامِلٍ لَهُ. مِنْ تَابِعٍ لِلْمُتَعِ، إِلَى مُتَّبِعٍ لِلْحَقِّ. مِنْ كَائِنٍ يَسْعَى لِمَا فِي الْخَارِجِ، إِلَى مَجَرًى يَجْرِي فِيهِ النُّورُ نَفْسُهُ. عِنْدَهَا فَقَطْ يُدْرِكُ أَنَّ السَّعَادَةَ لَمْ تَزَلْ مَكْنُونَةً فِيهِ مُنْذُ الْبِدَايَةِ، وَأَنَّ كُلَّ مَا فَعَلَهُ النُّورُ أَنَّهُ انْتَظَرَهُ أَنْ يَعُودَ.
وَالْعَوْدَةُ لَيْسَتْ إِلَى شَيْءٍ جَدِيدٍ، بَلْ إِلَى ذَاتِهِ فِي أَصْدَقِ صُوَرِهَا.
إِلَى نِقَاطِ النَّقَاءِ الَّتِي لَمْ تُلَوِّثْهَا الْأَنَا، وَلَمْ تُشَوِّشْهَا الرَّغْبَاتُ الْمُسْتَعْجِلَةُ.
إِلَى تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي يَفْهَمُ فِيهَا أَنَّ النُّورَ لَمْ يُغَادِرْهُ قَطُّ، بَلْ هُوَ الَّذِي أَوْغَلَ فِي الظِّلَالِ.
السَّعَادَةُ هِيَ الرِّضَا الَّذِي يَأْتِي لَيْسَ مَعَ تَحْقِيقِ كُلِّ مَا نُرِيدُ، بَلْ مَعَ تَحَقُّقِنَا نَحْنُ. هِيَ النُّورُ الَّذِي يَنْبَثِقُ مِنَ الْقَلْبِ حِينَ يَتَصَالَحُ مَعَ الْعَالَمِ، وَيَقِفُ فِي مَرْكَزِهِ بِلَا تَعَلُّقٍ وَلَا جَفَاءٍ، وَيَرَى الْخَيْرَ فِي جَوْهَرِ الْأُمُورِ، وَيَرَى نَفْسَهُ جُزْءاً مِنْ هَذَا النُّورِ الْكُلِّيِّ.
السَّعَادَةُ هِيَ الْعَوْدَةُ إِلَى جَوْهَرِ النُّورِ.
فَكُلُّ مَا خَرَجَ مِنَ النُّورِ لَا يَسْكُنُ إِلَّا فِيهِ، وَكُلُّ مَا يُضِيءُ فِي إِنْسَانٍ إِنَّمَا يَسْتَمِدُّ ضِيَاءَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَبْدَأ الَّذِي لَا تَغْشَاهُ الْعُتْمَةُ.
وَمَا دَامَ فِي الْقَلْبِ جِذْوَةٌ تُنَادِي إِلَى الْخَيْرِ، وَتَمِيلُ إِلَى الْحَقِّ، وَتَشْتَاقُ لِلْمَحَبَّةِ، فَاعْلَمْ أَنَّ فِيهِ نُوراً لَنْ يَنْطَفِئَ.
وَالسَّعَادَةُ هِيَ أَنْ نَسْكُنَ هَذَا النُّورَ، لَا كَزُوَّارٍ، بَلْ كَأَهْلٍ.
أَنْ نَعْرِفَ أَنَّ الْحَيَاةَ، بِكُلِّ مَا فِيهَا، لَيْسَتْ عَدُوّاً وَلَا فَرِيضَةً، بَلْ طَرِيقاً إِلَى النُّورِ يَسْكُنُ فِيهِ مَعْنَى الْوُجُودِ.
وهنا يتحقَّق السرّ: أنَّ السَّعَادَةَ لَيْسَتْ غَايَةً، بَلْ حَالٌ مِنَ النُّورِ يَنْبَثِقُ فِي كُلِّ مَنْ عَادَ إِلَى جَوْهَرِهِ.
مُهداة إلى نور صاحب العيد ومصدره.
@جميع الحقوق محفوظة