
ليس أصعب على الإنسان من أن يرى أمامه، عالماً أجمل من العالم الذي يعيش فيه، وأن يكون له ما يكفي من الوعي لتخيّل الرفاهية والسعادة التي تغمره، من دون أن يكون له القدرة على بلوغه. فمنذ أن بدأ الإنسان يتجاوز حدود الضرورة،
وهو يحاول أن ينتقل بحياته، من مجرد البقاء الى معنى أرقى للوجود. ومن الخضوع للقوة، الى الإحتكام الى الحق. ومن صراع المصالح، الى إمكان التعايش. ومن واقع تفرضه الغرائز والظروف، الى عالم تشارك في صنعه العقول المتفتحة ،والقيم السامية. الإنسان؛ بنى الحضارات، وابتكر الشرائع، وأنتج الفلسفات، ورفع رايات الحرية والعدالة والمساواة، كأنه يراهن مع كل جيل، على أن ما عجزعنه بالأمس، قد يصبح ممكناً غداً.
ومع ذلك، كلّ ما حَسِبَ أن الإنسانية قطعت شوطاً بعيداً في رحلتها، كشفت له الحياة عن تناقضات تعيدها الى أسئلة ظنَّ أنها أصبحت من الماضي، وعن أزمات تهدّد ما أنجزته الأجيال، فيجد نفسه أمام مهمة البناء من جديد. وهنا تلتقي مأساة الإنسان بأسطورة سيزيف اليونانية، ذلك الذي حكمت عليه الآلهة بأن يدفع بصخرة ضخمة من أسفل الوادي الى أعلى قمة الجبل، حتى إذا أوشك على بلوغها انزلقت الصخرة من بين يديه وعادت الى قعر الوادي، فيضطر الى النزول وراؤها ليبدأ رحلته من جيد، والى الأبد.
هذه العقوبة لم تكن في ثقل الصخرة فقط، بل في تكرار المشقة والعناء من دون نهاية، وفي استنزاف الجهد في مسار لا يفضي الى الغاية المنشودة. وهذا ما نراه فعلا بأنه يمثل شيئاً من صيرورة الحياة البشرية: فمنذ أن بدأ الإنسان يدرك حاجاته، ويقارن واقعه بما يحلم به ويصبو إليه، وهو يدفع صخرته الخاصة؛ يسعى الى الأمان، فإذا حققه اكتشف حاجته الى الاستقرار. ويسعى الى المال، فإذا امتلكه ظهرت رغبته بالمزيد. ويطلب المعرفة، فكلما وعى وتنامت مداركه، اتسعت أمامه مساحة المجهول. وحتى حين يبلغ ما يطمح ويسعى اليه ، لا يلبث أن يجدد طموحاته و يغرق بأحلام أخرى تلوح له من بعيد.
وهكذا تتحول الحياة، في جانب منها، الى رحلة متواصلة بين رغبة تتحقق وحاجة تتجدد، وبين أمل يقترب وخيبة تعيد الإنسان الى نقطة البداية. غير أن الفارق بين الإنسان وسيزيف أن صخرة سيزيف كانت معروفة، أما صخرة الإنسان فقد تتخفى في صور كثيرة، حتى أنه قد يمضي عمره كله في دفعها من دون أن يدرك ماهيتها. قد تكون حاجته الى الإعتراف، أو خوفه من الفقر، أو سعيه الى التفوق، أو خضوعه لمقاييس اجتماعية تقنعه بأن قيمته تتناسب مع ما يملك وما حققه من نجاح، لا مع ما يكون عليه بوصفه إنساناً.
وفي عالم تتسارع فيه التكنولوجيا، وتتضخم فيه الرغبات، وتتزايد فيه المقارنات، وتكثر فيه الرؤى السياسية، قد يجد الإنسان نفسه محاصراً بمطالب لا تنتهي. فما أن يحقق مستوى من القيم والرفاه، حتى يصبح مستوى آخر معياراً جديداً للمعنى والتألق، وما إن يقتني ما كان يحلم به ويحقق ما يمده معنىً لوجوده، حتى يصبح مستوى آخر معياراً جديداً لهذا الوجود، وما أن يقتني ما كان يحلم به حتى يكتشف أن الآخرين قد سبقوه الى ما هو أحدث منه ، أو استغلوا ضعفه ليثبتوا قوتهم ويبلغوا أهدافهم.
وهكذا لا يعود السعي وسيلة لتحسين الحياة وضمانة للأمان، بل قد يصبح الحياة نفسها، فيما يتراجع الوقت المتاح للتأمل والمحبة والطمأنينة. والمفارقة أن الإنسان، بخلاف سيزيف، لا يجهل بالضرورة وجود طرق أخرى تضمن سلامه وسلامته؛ فقد يرى في ذهنه صورة لعالم أكثر عدلاً، ومجتمع أكثر إنسانية وعلاقات تقوم على الإحترام بدل الإستغلال والعبث في النفوس والرؤوس، وحياة لا يضطر فيها المرء الى التضحية بسلامه الداخلي وتواصله النفسي والمادي بالآخرين كي يضمن ضروراته. لكنه قد يفتقر الى القدرة الفردية او الجماعية التي تمكنه من تحويل هذه الصورة الى واقع.
وهنا تبلغ المعاناة عمقها الفلسفي: أن يكون الوعي أوسع من الإمكانات، وأن تكون الرؤية أرحب من الواقع، وأن يستطيع العقل تخيّل ما لا تستطيع الحياة الراهنة أن تمنحه. فالإنسان لا يتألم لأنه محروم، بل لأنه يعرف أنه محروم؛ ولا يعاني فقط من قسوة واقعه، بل من قدرته على تصور واقع أقل قسوة. إن الوعي الذي يمنحه القدرة على النقد والتغيير هو نفسه الذي يجعله أكثر حساسية للتناقض بين ما يعيشه وما يعتقد أنه يستحق أن يعيش.
ومع ذلك، لا ينبغي أن تأخذنا هذه المقارنة الى الإعتقاد بأن حياة الإنسان عبث محض، أو أن كل جهد محكوم بالفشل. فصخرة سيزيف تعود الى السفح، أما صخرة الإنسان فقد تترك وراءها أثراً، حتى إن لم يصل الى القمة التي أرادها؛ قد يفشل في بناء العالم الذي حلم به، لكنه يخفف معاناة إنسان آخر. وقد لا يحقق العدالة الكاملة، لكنه ينتزع مساحة أوسع للحقوق.
وقد لا يبلغ المعرفة النهائية، لكنه يزيل جهلاً كان يحجب الحقيقة عن غيره. ويبقى أن الفرق الجوهري بين صخرة الإنسان وصخرة سيزيف يكمن، في أن الإنسان يستطيع أن يراجع الغاية التي يسعى إليها، وأن يسأل عن معنى الجهد الذي يبذله، وأن يكتشف أن بعض الصخور لم يخترها أصلاً، بل فرضتها عليه ظروفه أو رغبات المجتمع أو أنظمة الحياة التي وجد نفسه فيها. ومن هنا، لا يكون التحرر عنده بالضرورة في التخلي عن الطموح والسعي، بل في استعادة القدرة على الإختيار، وفي أن يميّز بين ما يمنح حياته معنى وما يستنزفها، وبين الحاجات التي تحفظ كرامته والرغبات التي تجعله أسيراً لها، وبين الطموح الذي يفتح أمامه آفاقاً جديدة والطموح الذي يحوِّل وجوده الى سباق لا يعرف لماذا بدأه.
ولعل أجمل ما يستطيع الإنسان فعله أمام صخرته هو، ألاّ يسمح لها بأن تحجب عنه العالم بأكمله. فالحياة ليست القمة وحدها، وقيمة الإنسان ليست مرهونة بالوصول اليها وحسب، فثمّة معنى عظيم ومقدّس، لمرحلة عبور الطريق، وللعلاقات التي يبنيها، وللمعرفة والخبرة التي يكتسبها، وللخير والمعروف الذي يصنعه، و للحظات السلام التي يستعيد فيها نفسه بعيداً عن ضجيج المطالب. إن مأساة سيزيف أنه أجبر على دفع صخرته، أما مأساة الإنسان فقد تكون أنه يواصل دفع صخور كثيرة، من دون أن يسأل من وضعها أمامه، ولماذا ينبغي له أن يحملها، والى أي قمة عليه أن يصل.
وربما تبدأ إنسانيته الحقيقية حين يتوقف ولو للحظة، لا ليستسلم لثقل الحياة، بل ليرفع رأسه عن الصخرة، وينظر الى العالم الذي يعيش فيه، ثمّ يسأل نفسه:
هل أريد حقاً بلوغ هذه القمة، أم أنني أمضيت عمري في السعي الى غاية لم أخترها بإرادتي؟