عندما تتغير وظيفة الخرائط المشرق العربي يعيد تعريف وظيفة حدوده

دراسة / الدكتور غسان الدمشقي 

على امتداد العقود الثلاثة الماضية، ارتبطت معظم النقاشات التي تناولت الشرق الأوسط بفكرة إعادة رسم الخرائط السياسية. ومع كل حرب أو أزمة كبرى، عاد الحديث عن نهاية النظام الإقليمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الأولى، وعن سقوط اتفاقية سايكس–بيكو، أو ولادة شرق أوسط جديد بحدود مختلفة وتوازنات جديدة. غير أن التجربة التاريخية تكشف مفارقة تستحق التوقف عندها؛ فعلى الرغم من الحروب الإقليمية، والانقسامات الداخلية، وصعود قوى جديدة وتراجع أخرى، بقيت الحدود السياسية في المشرق العربي أكثر ثباتًا مما توقع كثير من الباحثين، بينما كانت التحولات الحقيقية تجري في مكان آخر.
من هنا، لا تنطلق هذه القراءة من فرضية وجود مشروع دولي متكامل لإعادة تشكيل المنطقة، ولا من افتراض وجود تفاهمات خفية بين القوى الكبرى لإعادة توزيع النفوذ. و انما من ملاحظة أن التحول الأهم الذي يشهده المشرق العربي قد لا يتعلق بتغيير الخرائط، وإنما بتغيير الوظيفة التي تؤديها هذه الخرائط داخل بيئة إقليمية ودولية تتبدل معايير القوة فيها بصورة متسارعة.
فالحدود لم تعد تُقرأ فقط بوصفها خطوط فصل بين الدول، و انما بوصفها نقاط اتصال محتملة بين شبكات التجارة والطاقة والنقل والاستثمار. ولم يعد الموقع الجغرافي يكتسب أهميته من وجوده على الخريطة وحده، وإنما من الدور الذي يستطيع أن يؤديه داخل منظومة اقتصادية وأمنية تتزايد فيها أهمية الترابط الإقليمي.
فطوال القرن العشرين، ارتبط مفهوم الجغرافيا السياسية بفكرة السيطرة على الأرض وحماية الحدود والردع العسكري. وكانت قيمة الموقع تُقاس بقدرته على توفير العمق الاستراتيجي أو التحكم بالممرات العسكرية أو فرض النفوذ على الأقاليم المجاورة. وقد انعكس هذا الفهم على طبيعة النظام الإقليمي في المشرق العربي، حيث هيمنت الاعتبارات الأمنية على معظم السياسات، وأصبحت الحدود تمثل خطوط تماس أكثر مما تمثل مساحات للتفاعل.
إلا أن العقود الأخيرة شهدت تغيرًا تدريجيًا في مفهوم القوة نفسه. فقد أدى توسع التجارة العالمية، وتطور شبكات النقل والاتصالات، وازدياد الاعتماد المتبادل بين الاقتصادات، إلى بروز عناصر جديدة في تحديد المكانة الاستراتيجية للدول. وأصبحت الموانئ، والمعابر البرية، وخطوط الطاقة، وسلاسل الإمداد، والبنية التحتية العابرة للحدود، جزءًا لا يتجزأ من معادلة النفوذ الإقليمي والدولي.
ومن هنا يبرز ما يمكن وصفه بـ«الجغرافيا الوظيفية». فهذا المفهوم لا ينظر إلى الجغرافيا بوصفها معطى ثابتًا، بل بوصفها قدرة على إنتاج القيمة. فالدولة لا تستمد أهميتها من موقعها وحده، وإنما من قدرتها على تحويل هذا الموقع إلى عقدة لوجستية. فالجغرافيا لا تمنح النفوذ تلقائيًا، لكنها تتيح فرصة لبنائه إذا امتلكت الدولة المؤسسات القادرة على إدارة هذا المورد وتحويله إلى عنصر قوة وتنمية دون إهمال المؤسسة العسكرية في كل ذلك، فهذا التحول لايعني أن الاعتبارات الأمنية التقليدية فقدت أهميتها، فما تزال السيادة، والردع، وحماية الحدود، عناصر أساسية في سياسات الدول. لكن الأمن لم يعد منفصلًا عن الاقتصاد، كما لم يعد الاقتصاد قادرًا على النمو بمعزل عن الاستقرار السياسي وسلامة البنية التحتية وأمن الممرات البرية والبحرية. ولذلك، أصبحت حماية الموانئ، والمعابر، وشبكات الطاقة، جزءًا من مفهوم الأمن القومي، تمامًا كما هي حماية الحدود العسكرية.
ويبدو هذا التحول أكثر وضوحًا في المشرق العربي، حيث تتقاطع الممرات البرية التي تصل الخليج العربي بشرق المتوسط مع السواحل البحرية التي تربط المنطقة بالأسواق الأوروبية والعالمية. ولهذا، فإن قراءة المنطقة وفق المفاهيم العسكرية التقليدية وحدها لم تعد كافية لفهم طبيعة التنافس الدائر فيها. فإلى جانب الصراع على النفوذ، برز تنافس متزايد على الموانئ، والعقد اللوجستية، وخطوط النقل، ومشروعات الطاقة، والقدرة على إدارة البنية التحتية التي ستحدد حركة الاقتصاد الإقليمي في العقود المقبلة.
وفي هذا السياق، يكتسب الجنوب السوري أهمية تتجاوز كونه منطقة حدودية ارتبطت لعقود بالاعتبارات الأمنية. فقد شكل هذا الفضاء، تاريخيًا، نقطة التقاء بين الداخل السوري والأردن ولبنان والجولان، كما مثل جزءًا من المحور البري الذي يصل شبه الجزيرة العربية بشرق المتوسط. وخلال سنوات الحرب السورية، طغت صورته بوصفه ساحة للصراع العسكري وتداخل الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين، حتى بدا وكأن وظيفته لا تخرج عن هذا الإطار.
إلا أن الجغرافيا نفسها تفتح احتمالًا آخر. فإذا اتجهت المنطقة تدريجيًا نحو مستويات أعلى من الاستقرار، فإن الجنوب السوري قد يستعيد وظيفته التاريخية بوصفه حلقة وصل بين الداخل السوري وامتداده العربي، لا مجرد خط تماس عسكري. فالمعابر الحدودية ليست مجرد نقاط لعبور الأفراد والبضائع، بل يمكن أن تتحول إلى مراكز اقتصادية تؤثر في حركة التجارة والاستثمار، وتربط الاقتصاد السوري بشبكات النقل الإقليمية.
ولا يعني ذلك أن هذا التحول أصبح واقعًا، أو أن التحديات الأمنية قد تراجعت. فما تزال قضايا السيادة، وانتشار السلاح، والتدخلات الخارجية، وضعف البنية الاقتصادية، عوامل تحد من قدرة المنطقة على أداء هذه الوظيفة الجديدة. لكن أهمية الجغرافيا تكمن في أنها تمنح الفرصة، بينما يبقى تحويل هذه الفرصة إلى واقع مرتبطًا بقدرة الدولة على إعادة بناء مؤسساتها وإدارة حدودها واستثمار موقعها.وهنا يتغير السؤال الجيوسياسي نفسه. فلم يعد السؤال الأساسي: من يسيطر على الجنوب السوري؟ بل أصبح: ما الوظيفة التي يمكن أن يؤديها الجنوب السوري إذا أصبحت الأولوية لربط الاقتصادات وتأمين الممرات أكثر من إدارة خطوط المواجهة؟
هذا التحول في طريقة طرح السؤال يعكس تحولًا أوسع في فهم الجغرافيا السياسية للمشرق العربي. فالقضية لم تعد تتعلق بمن يمتلك الأرض فقط، بل بمن يستطيع أن يمنحها وظيفة مستدامة داخل منظومة إقليمية تتزايد فيها أهمية الاقتصاد إلى جانب الأمن. وربما يكون هذا أحد أهم المؤشرات على أن المنطقة بدأت تدخل مرحلة جديدة، لا تُقاس فيها قيمة المكان بما يفصل بين الدول، بقدر ما تُقاس بما يستطيع أن يربط بينها.
وإذا كان الجنوب السوري يمثل البوابة البرية لهذا التحول، فإن جنوب لبنان يمثل امتداده البحري. فقد ارتبطت صورة الجنوب اللبناني، لعقود طويلة، بالصراع مع إسرائيل، حتى أصبح حضوره في الأدبيات السياسية والإعلامية يكاد يقتصر على كونه جبهة مواجهة أو منطقة نزاع. غير أن هذه الصورة، على أهميتها، لا تعكس سوى جانب واحد من حقيقة هذا الفضاء الجغرافي.
فجنوب لبنان يشكل جزءًا من الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وهو فضاء تتقاطع فيه طرق الملاحة البحرية مع الامتداد البري للمشرق العربي. ومن هذا المنطلق، فإن قيمته لا تنبع فقط من موقعه الحدودي، بل أيضًا من موقعه داخل شبكة أوسع تربط شرق المتوسط بالداخل العربي. وقد أثبت تاريخ لبنان الحديث أن الموقع الجغرافي يستطيع أن يمنح الدولة فرصًا استثنائية، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع الدور.

فالجغرافيا توفر الإمكانات، أما تحويلها إلى نفوذ واستقرار فيبقى مرتبطًا بوجود دولة قادرة على إدارة مؤسساتها وحدودها ومرافقها الحيوية. ولهذا، فإن مستقبل جنوب لبنان لا يرتبط فقط بموازين القوى العسكرية، بل أيضًا بمستقبل الدولة اللبنانية نفسها. فكلما ازدادت قدرة الدولة على بسط سلطتها، وتعزيز مؤسساتها، وإدارة مرافئها وحدودها، ازدادت قدرتها على تحويل موقعها البحري إلى مصدر للتنمية والانفتاح الاقتصادي، بدل أن يبقى ساحة تتقاطع فيها المصالح الخارجية والصراعات الإقليمية.
ولا يمكن فصل هذه القراءة عن التحولات التي يشهدها شرق المتوسط خلال السنوات الأخيرة. فقد أصبح البحر، أكثر من أي وقت مضى، فضاءً اقتصاديًا واستراتيجيًا تتقاطع فيه مشاريع الطاقة، وخطوط الملاحة، والبنية التحتية البحرية، وحركة التجارة بين الشرق والغرب. وهذا لا يعني أن جميع هذه المشاريع قد أصبحت واقعًا، ولا أنها ستؤدي بالضرورة إلى إعادة تشكيل المنطقة، لكنه يعكس تغيرًا في طريقة النظر إلى الجغرافيا البحرية، بوصفها عنصرًا في الاقتصاد الإقليمي، لا مجرد مجال للتنافس العسكري.
وعندما يُقرأ الجنوب السوري إلى جانب جنوب لبنان، تتضح صورة مختلفة للمشرق العربي. فالمنطقتان تمثلان فضاءً جغرافيًا واحدًا تتداخل فيه الممرات البرية مع المنافذ البحرية، وتتقاطع فيه الحسابات الأمنية مع فرص الربط الاقتصادي. ومن هنا، فإن مستقبلهما لن يتحدد فقط بمسار الصراعات القائمة، بل أيضًا بقدرة دول المنطقة على إعادة تعريف وظيفة هذه الجغرافيا في ضوء التحولات الاقتصادية والاستراتيجية الجارية.
ومن هنا تتجاوز القضية حدود سوريا ولبنان لتشمل المشرق العربي بأكمله. فهذا الإقليم كان، طوال القرن العشرين، أحد أهم ميادين التنافس العسكري في العالم، وكانت قيمته الجيوسياسية تُقاس بموقعه بين القارات الثلاث، وبقربه من مصادر الطاقة، وبقدرته على التأثير في موازين القوى الدولية. أما اليوم، فإن هذه العناصر ما تزال قائمة، لكنها لم تعد وحدها كافية لتفسير طبيعة التنافس.
فالاقتصاد العالمي أعاد الاعتبار للممرات البرية والبحرية، وسلاسل الإمداد، والعقد اللوجستية، وربط الأسواق، باعتبارها عناصر أساسية في بناء النفوذ. ولذلك، لم تعد أهمية المنطقة مرتبطة فقط بما تمتلكه من موارد، بل أيضًا بما تستطيع أن تؤديه من وظيفة داخل الاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق، لم تعد الحدود تُقرأ بوصفها خطوطًا للفصل فقط، بل بوصفها نقاطًا محتملة للربط أيضًا. فهي قد تبقى خطوطًا للردع في ظروف معينة، لكنها قد تتحول، عندما تتوافر البيئة السياسية المناسبة، إلى معابر للتجارة والطاقة والاستثمار. وهذه الازدواجية هي إحدى السمات الأساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة، حيث تتداخل اعتبارات الأمن مع متطلبات التنمية، من دون أن يلغي أحدهما الآخر.
كما أن العلاقات الإقليمية والدولية نفسها أصبحت أكثر تعقيدًا. فلم تعد تقوم على ثنائية الحليف والخصم كما كان الحال في مراحل سابقة، بل أصبحت تُدار وفق شبكة من المصالح المتقاطعة. 

فقد تتعاون الدول في ملفات النقل والطاقة والاستثمار، بينما تستمر في التنافس أو الخلاف في الملفات السياسية والأمنية. وهذا النمط من العلاقات لا يعني انتهاء الصراعات، لكنه يعكس تحولًا في طبيعة إدارة النفوذ، حيث أصبحت المصالح الاقتصادية عنصرًا لا يقل تأثيرًا عن موازين القوة العسكرية.
ومن هنا، فإن مستقبل المشرق العربي لن تحدده قوة منفردة، ولن يتوقف فقط على طبيعة التنافس بين القوى الإقليمية والدولية، بل سيتوقف أيضًا على قدرة دوله على بناء مؤسسات مستقرة، وإدارة حدودها بكفاءة، وتطوير بنيتها التحتية، وتحويل مواقعها الجغرافية إلى عناصر إنتاج واستقرار. فالدولة التي تستطيع أن تربط اقتصادها بمحيطها، وأن تؤمن ممراتها، وأن تستثمر موقعها، ستكون أكثر قدرة على تعزيز مكانتها الإقليمية، حتى وإن لم تمتلك المقومات العسكرية الأكبر.
ولا تقدم هذه القراءة تصورًا حتميًا لمستقبل المنطقة، كما لا تدعي أن المشرق العربي يقف على أعتاب نظام إقليمي جديد مكتمل الملامح. فالمنطقة ما تزال تعيش تحديات سياسية وأمنية واقتصادية عميقة، وما تزال احتمالات الصراع قائمة بقوة. غير أن الاتجاهات العامة تشير إلى أن وظيفة الجغرافيا نفسها بدأت تتغير، وأن قيمة المكان لم تعد تُقاس فقط بقدرته على الفصل، بل أيضًا بقدرته على الربط.
وربما يكون هذا هو التحول الأهم الذي يشهده المشرق العربي اليوم. فالخرائط لم تتغير، لكن الطريقة التي تُقرأ بها هذه الخرائط بدأت تختلف. 

والحدود التي كانت ترمز، في المقام الأول، إلى السيادة والردع، قد تصبح أيضًا أدوات للتواصل الاقتصادي، وتأمين حركة التجارة، وربط شبكات النقل والطاقة، إذا توافرت الشروط السياسية والمؤسسية اللازمة لذلك.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الباحثين وصناع القرار لم يعد: هل ستتغير حدود الشرق الأوسط؟ بل: كيف يعيد المشرق العربي تعريف وظيفة حدوده؟
إن الجغرافيا لا تصنع القوة بمفردها، لكنها تمنح الدول فرصة لصناعتها. 

والحدود لا تكتسب قيمتها من وجودها على الخرائط فقط، بل من الوظيفة التي تؤديها في خدمة الأمن، والاقتصاد، والاستقرار. وإذا كان القرن العشرون قد قاس قوة الدول بما تمتلكه من الأرض، فإن القرن الحادي والعشرين يقيسها أيضًا بقدرتها على إدارة تلك الأرض، وربطها بشبكات الاقتصاد العالمي، وتحويل موقعها إلى مصدر دائم للتنمية والنفوذ.
وربما تكون هذه هي الفكرة الأساسية التي تستحق التأمل؛ فالمشرق العربي لا يعيد رسم حدوده، بل يعيد تعريف وظيفة حدوده، وفي هذا التحول قد تكمن إحدى أهم مفاتيح فهم مستقبل المنطقة خلال العقود المقبلة.