
لم يعد الانتحار قضية فردية يمكن اختصارها في لحظة يأس، بل أصبح من القضايا الصحية والاجتماعية التي تستدعي اهتمامًا واسعًا، بعدما أظهرت البيانات العالمية استمرار أعداد الوفيات المرتفعة المرتبطة به.
فوفق أحدث بيانات منظمة الصحة العالمية، توفي نحو 727 ألف شخص بالانتحار عام 2021، فيما تشير المنظمة إلى أن عدد محاولات الانتحار أكبر بكثير، وقد يتجاوز عشرين محاولة مقابل كل حالة وفاة، مع اختلاف النسب بين البلدان والفئات العمرية والجنس.
وتزداد خطورة الظاهرة عندما نعلم أن الشباب ليسوا بعيدين عنها؛ فقد كان الانتحار في عام 2021 ثالث أهم سبب للوفاة عالميًا بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عامًا.
كما أن نحو 73% من حالات الانتحار تحدث في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، حيث تتداخل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والصحية مع ضعف الوصول إلى خدمات الدعم النفسي.
في لبنان، تبدو الصورة أكثر إثارة للقلق في ظل تراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والصدمات المرتبطة بالعنف والنزوح وفقدان مصادر الدخل. وتشير وثيقة لمنظمة الصحة العالمية عن الوضع الصحي في لبنان إلى أن معدل الانتحار شهد ارتفاعًا منذ عام 2021، وأن قوى الأمن الداخلي سجلت 168 حالة وفاة بالانتحار عام 2023، بزيادة 21.7% عن عام 2022 و46% مقارنة بعام 2021.
كما أورد التقرير أن دراسات على الطلاب أظهرت مؤشرات مقلقة بشأن الأفكار والمحاولات الانتحارية.
وهذه الأرقام لا تعني أن الأزمة النفسية هي السبب الوحيد. فالانتحار ظاهرة متعددة العوامل، وقد تتداخل فيها المشكلات المالية، فقدان العمل، الخلافات العائلية والعاطفية، العزلة، العنف، سوء المعاملة، الأمراض المزمنة، الألم النفسي، الصدمات والحروب والكوارث.
كما قد تحدث بعض المحاولات بصورة اندفاعية خلال لحظات أزمة يشعر فيها الإنسان بأن قدرته على تحمل الضغوط قد وصلت إلى حدودها القصوى.
من أخطر ما يحيط بالانتحار أن الإنسان الذي يعاني قد لا يبدو دائمًا في حالة انهيار واضحة. فقد يواصل عمله، ويتحدث مع الآخرين، ويشارك في حياته اليومية، بينما يعيش في داخله شعورًا عميقًا بالعجز أو الوحدة أو فقدان المعنى.
وهنا تبرز أهمية الانتباه إلى التغيرات المفاجئة في السلوك، والانسحاب الاجتماعي، واليأس الشديد، والتحدث عن عدم الرغبة في الحياة أو الشعور بأنه عبء على الآخرين.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن وجود محاولة انتحار سابقة يمثل عامل خطر مهمًا، ولذلك يحتاج الشخص الذي مرّ بهذه التجربة إلى متابعة ودعم متخصصين.
ما يزيد المشكلة تعقيدًا هو الوصمة الاجتماعية. فكثيرون يترددون في الحديث عن الاكتئاب أو الأفكار الانتحارية خوفًا من الحكم عليهم أو اتهامهم بالضعف. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الوصمة المرتبطة بالصحة النفسية والانتحار قد تمنع أشخاصًا يحتاجون إلى المساعدة من طلبها.
لذلك فإن الحديث عن الانتحار بطريقة مسؤولة لا يعني تشجيعه، بل يمكن أن يكون جزءًا من الوقاية منه. المطلوب هو الانتقال من ثقافة «لا تتحدث عن الأمر» إلى ثقافة «تحدث، فنحن نسمعك».
تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الانتحار يمكن الوقاية منه، وأن هناك تدخلات أثبتت فعاليتها، من بينها الاكتشاف المبكر للأشخاص المعرضين للخطر، وتعزيز المهارات الاجتماعية والعاطفية لدى الشباب، وتوفير المتابعة والدعم، إلى جانب سياسات صحية ومجتمعية متكاملة.
كما تشدد على أهمية التغطية الإعلامية المسؤولة وعدم تحويل حالات الانتحار إلى أخبار مثيرة أو تقديم تفاصيل قد تكون مؤذية.
والوقاية ليست مسؤولية الطبيب النفسي وحده؛ فهي مسؤولية الأسرة والمدرسة والجامعة ومكان العمل والمؤسسات الصحية والإعلام والمجتمع والدولة.
فالشخص الذي يمر بأزمة يحتاج قبل كل شيء إلى أن يشعر بأنه ليس وحيدًا، وأن طلب المساعدة ليس عيبًا، وأن الأزمة مهما بدت خانقة يمكن التعامل معها خطوةً خطوة.
ربما لا نستطيع معرفة حجم الألم الذي يعيشه إنسان آخر، لكن يمكننا أن نختار ألا نتجاهله. سؤال بسيط مثل: «كيف حالك حقًا؟»، والاستماع دون إصدار أحكام، وتشجيع الشخص على التواصل مع مختص نفسي أو طبي، قد تكون خطوات مهمة في اتجاه الأمان.
وإذا كان شخص ما في خطر فوري أو يعبّر عن نية لإيذاء نفسه، فلا ينبغي تركه وحيدًا؛ يجب طلب المساعدة الطارئة فورًا والتواصل مع خدمات الطوارئ أو مختص صحي أو شخص موثوق يمكنه البقاء معه. هذا يتوافق مع إرشادات منظمة الصحة العالمية.
إن مواجهة ارتفاع حالات الانتحار لا تبدأ بالأرقام وحدها، بل تبدأ بتغيير نظرتنا إلى الإنسان الذي يتألم. فخلف كل رقم قصة، وخلف كل قصة أسرة، وخلف كل خسارة سؤال مؤلم: هل كان يمكن أن نصل إليه قبل فوات الأوان؟
ولهذا، فإن بناء مجتمع أكثر قدرة على الاستماع، وتوفير خدمات الصحة النفسية، ومواجهة الفقر والعزلة والعنف والوصمة، وتعزيز الحماية الاجتماعية، ليست قضايا منفصلة عن الوقاية من الانتحار؛ بل هي جزء أساسي منها.
فالوقاية من الانتحار ليست فقط إنقاذ حياة في لحظة خطر، وإنما مساعدة الإنسان على أن يجد سببًا للاستمرار قبل أن يصل إلى تلك اللحظة.
المراجع :