عِقَالِي ، ، ، 🍂- الدكتور عماد الاعور

الدكتور عماد أ. الاعور

رَافَقْتُ الغُيُومَ، الَّتِي خَرَجَتْ مِن رَحِمِ اليَّمِّ، وَعَانَقَتْ ذُرَى الجِبَالِ، فَمَا أَن رَأَتْ بَدِيعَ صُنْعِكَ، حَتَّى انْهَمَرَتْ دُمُوعُهَا كَأَنَّ السَّمَاءَ تَبْكِي وَتَتَطَهَّرُ، وَكَأَنَّ دَمْعَهَا مَاءُ حَنَانٍ سَاقَتْهُ إِلَى الأرْضِ لِتُوقِظَ فِيهَا بُذُورَ الحَيَاةِ النَّائِمَةِ. 

وَكُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى هَذَا الْمَطَرِ وَأَشْهَدُهُ كَلُغَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، يُحَدِّثُنِي بِأَنَّ كُلَّ سَحَابَةٍ لَهَا دَمْعَةٌ، وَأَنَّ كُلَّ دَمْعَةٍ لَهَا سَبَبٌ، وَأَنَّ السَّبَبَ كَلِمَةٌ.
ثُمَّ رَافَقْتُ القَمَرَ، وَرَأَيْتُ فِيهِ وَجْهًا هَادِئًا يَتَسَرْبَلُ بِالنُّورِ فِي اللَّيْلِ، حَتَّى إِذَا أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ خَجِلَ وَاخْتَبَأَ بِخَفَرٍ كَأَنَّهُ طِفْلٌ يَتَوَارَى فِي حِضْنِ أُمِّهِ. 

وَفِي كُلِّ ذَلِكَ، كُنْتُ أَمْشِي فِي ظَهِيرَةِ الْحَرِّ أَسْتَشْعِرُ أَشِعَّةَ الشَّمْسِ تَتَخَلَّلُ جِلْدِي وَتَدْخُلُ فِي أَعْمَاقِي كَنَبْضٍ سَاطِعٍ يُذَكِّرُنِي بِأَنَّ الْحَرَارَةَ هِيَ أَيْضًا نَبْضُ الْحَيَاةِ. وَسَأَلْتُهُمْ جَمِيعًا، السَّحَابَ وَالْقَمَرَ وَالشَّمْسَ، أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، كَلِمَةٍ تَحْتَوِي كُلَّ شَيْءٍ وَتَجْمَعُ الْكَوْنَ.
كَلِمَةٌ… "فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ". 

وَمِنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ،بِحَرْفَيْها، انْفَجَرَتْ مَعَانِي الْوُجُودِ وَأَسْرَارُهُ. 

فَفَاضَ حُبًّا حَتَّى أَبْدَعَ نُورًا شَعْشَعَانِيًّا صَافِيًا مُطْلَقًا، نُورًا لَا تَحْدُّهُ الْحُدُودُ وَلَا تَحْجُبُهُ الْحُجُبُ. 

وَمِنْ هَذَا النُّورِ انْبَثَقَتِ الْأَكْوَانُ وَتَخَلَّقَتِ الْعَنَاصِرُ وَتَعَانَقَ الْمَاءُ وَالنَّارُ وَالرِّيحُ وَالتُّرَابُ لِيُصْبِحَ كُلُّ شَيْءٍ حَيًّا، وَتَصِيرَ الْحَيَاةُ رَدَّ صَدًى لِنُورِهِ.
يَا حَيُّ، يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ. 

أَعْقِلْ عَقْلِي بِعَقْلِ الْكَوْنِ الْوَاحِدِ الْمُتَجَدِّدِ، أَثْبِتْنِي فِي جَوْهَرِ الْإِرَادَةِ وَالْمَشِيئَةِ، وَأَخْرِجْنِي مِنْ أَوْهَامِ الظُّنُونِ وَمِنْ ظِلَالِ الْأَنَا وَمِنْ مَلْهَاةِ الْحَيَاةِ الَّتِي تُلْهِينِي عَنْ صَلْبِ حُضُورِكَ.
أَتَأَمَّلُ فَأَجِدُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ حَوْلِي يَتَنَفَّسُ بِكَلِمَةٍ خَفِيَّةٍ. 

الشَّجَرُ يُسَبِّحُ بِأَوْرَاقِهِ، وَالْمَاءُ يُصَلِّي بِانْسِيَابِهِ، وَالْحَصَى فِي الطُّرُقَاتِ يَهْمِسُ بِمَعَانِي الْأَبَدِيَّةِ. وَأَتَذَكَّرُ أَنَّ الْعَقْلَ الَّذِي خُلِقَ لِيَكُونَ أَدَاةً لِلنُّورِ يُصْبِحُ سِجْنًا إِذَا فَارَقَ النُّورَ. 

فَأَدْعُو: يَا نُورُ، أَعْقِلْ عَقْلِي بِنُورِكَ، وَاجْعَلْنِي أَرَى بِالْقَلْبِ قَبْلَ الْعَيْنِ.
أَمْشِي وَأَنَا أُحَاوِلُ أَنْ أُفَرِّغَ نَفْسِي مِنْ ضَجِيجِ الْعَالَمِ، فَأَسْمَعُ أَصْوَاتًا صَامِتَةً كَأَنَّهَا أَمْوَاجٌ نُورَانِيَّةٌ تَغْمُرُنِي. 

وَأَشْعُرُ بِأَنَّنِي كُلَّمَا تَجَرَّدْتُ مِنْ ظِلِّي زَادَ حُضُورُكَ فِيَّ، وَكُلَّمَا تَرَكْتُ مَا أَعْتَقِدُهُ مِلْكِي تَفَتَّحَتْ أَبْوَابُ الْمَلَكُوتِ.
يَا مَنْ فِي كَلِمَتِكَ سَرُّ الْكَوْنِ وَسِرُّ الْإِنسَانِ، يَا مَنْ فِي نُورِكَ تَنْحَلُّ الْحُجُبُ وَتَتَجَلَّى الْحَقَائِقُ، أَدْخِلْنِي فِي صُلْبِ حُضُورِكَ حَيْثُ يَذُوبُ الزَّمَانُ وَالْمَكَانُ، وَيُصْبِحُ الْحَاضِرُ أَبَدًا، وَالأَبَدُ لَحْظَةً.
أَفْرِحْ عَتْمَتِي بِفَجْرِكَ؛ أَذِنْ لِشَمْسِ الْخَيْرِ أَنْ تَشْرِقَ فِي الدَّاخِلِ قَبْلَ الْخَارِجِ، أَنْ تَمْلأَ الْقُلُوبَ نُورًا وَتَغْسِلَ النُّفُوسَ مِنْ أَدْخِنَةِ الْغُرُورِ وَغُبَارِ الشَّهْوَاتِ. أَذِنْ لِشَمْسِكَ أَنْ تُحَوِّلَ كُلَّ عُسْرٍ يُعَانِدُ فِي الدَّاخِلِ إِلَى يُسْرٍ يَتَدَفَّقُ كَالنَّهْرِ، وَأَنْ تَجْعَلَ كُلَّ لَحْظَةٍ فِي حَيَاتِي جَسْرًا يَقُودُنِي إِلَيْكَ.
فِي كُلِّ شُرُوقٍ أَرَى وَعْدًا، وَفِي كُلِّ غُرُوبٍ أَرَى أَمَانًا، وَفِي كُلِّ كَلِمَةٍ أَسْمَعُ نَبْضَ الْبَدْءِ وَالْمَصِيرِ. أَرَى الْعَالَمَ كَكِتَابٍ نُورَانِيٍّ مَفْتُوحٍ، أَحْرُوفُهُ الْجِبَالُ وَبُيُوتُهُ الْبِحَارُ وَأَسَاطِيرُهُ النُّجُومُ. 

وَأَتَذَكَّرُ أَنَّ الْكَلِمَةَ هِيَ الرَّابِطُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَأَنَّ كُلَّ مَا يَجْرِي هُوَ تَرْجَمَةٌ لِكَلِمَةٍ أَزَلِيَّةٍ.
أَمْدُّ يَدِي إِلَى السَّمَاءِ كَمَنْ يَسْتَسْقِي، وَأُرَدِّدُ فِي سِرِّي: يَا مَنْ أَنْشَأْتَ كُلَّ هَذَا بِكَلِمَةٍ، يَا مَنْ فِي نُورِكَ حَيَاتِي وَحَقِيقَتِي، اجْعَلْ كَلِمَتِي نُورًا وَسَمْعِي نُورًا وَقَلْبِي نُورًا.
وَفِي الْخِتَامِ أَشْعُرُ بِأَنَّ الْحُضُورَ الَّذِي أَبْحَثُ عَنْهُ لَيْسَ بَعِيدًا، بَلْ هُوَ فِي نَفَسِي، فِي كَلِمَةِ حَيَاتِي، فِي سَكِينَةِ هَذِهِ اللَّحْظَةِ. أَسْتَقْبِلُ فَجْرَكَ فَيَتَفَتَّحُ الدَّاخِلُ عَلَى نُورِكَ، وَأَدْخُلُ فِي يَقِينٍ جَدِيدٍ: أَنَّ كُلَّ مَا فِي الْكَوْنِ مَسْجُورٌ بِنُورِكَ وَمُتَوَحِّدٌ فِي كَلِمَتِكَ.
يَا نُورَ النُّورِ، خُذْنِي بِرَحْمَتِكَ وَحِلْمِكَ إِلَى كُرُومِ عَنَاقِيدِ المَعْرِفَةِ، فَتَنْضُجُ عَنَاقِيدُهَا فِي قَلْبِي، وَأَعْصِرُهَا فَيَخْرُجَ مِنْ خَلِّهَا نَبِيذُ النَّضْجِ لاَ خَمْرَ الغَفْلَةِ، نَبِيذٌ يَسْكُبُ فِي قُلُوبِنَا حِكْمَةً وَوِقَارًا.
يَا نُورَ النُّورِ، خُذْنِي إِلَى حُقُولِ القَصَبِ حَيْثُ تَتَرَنَّمُ مُوسِيقَى الأَزَلِ بَيْنَ نَسَمَةٍ وَمَتَاعَبٍ، فَتَصِفُو الرُّوحُ كَمَوجٍ يُنْصِتُ لِلأَصْلِ وَيَتَعَلَّمُ مِنْ صَمْتِ الأَرْضِ.
يَا نُورَ النُّورِ، خُذْنِي إِلَى عِبَّادِ الشَّمْسِ، الَّذِينَ كُلَّمَا نَظَرُوا إِلَيْهَا رَأَوْا بَدِيعَ الْخَالِقِ، فَتَكْشِفُ أَبْصَارُنَا عَنْ رَوْعَةِ الصُّورِ وَبَسَاطَةِ الْحَقِيقَةِ.
يَا نُورَ النُّورِ، خُذْنِي إِلَى إِيمَانِ طِفْلٍ بِحَنَانِ أُمِّهِ، تِلْكَ النُّقْطَةُ الصَّغِيرَةُ مِنْ رَحْمَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَاجْعَلْ قَلْبِي بَرِيئًا كَالطِّفْلِ، يَسْتَقْبِلُ الحَيَاةَ بِثِقَةٍ وَبِلاَ تَعَنُّتٍ.
يَا نُورَ النُّورِ، خُذْنِي إِلَى حُلْمِ المُضْطَهَدِينَ حَيْثُ لِلْعَدَالَةِ كُرْسِيُّ الْعَرْشِ، فَأَنْصِفْ أَهْلَ الظُّلْمِ وَأَصْلِحْ قُلُوبَ الْقَاسِي، وَأَصْلِحْ سِيَرَ الأُمَمِ بِهَدِيَّةِ الْحَقِّ.
يَا نُورَ النُّورِ، خُذْنِي إِلَى مَحَافِلِ المَرْضَى حَيْثُ الصِّحَّةُ طَرِيقُ الثَّوَابِ، فَامْنَحْ مَنْ أَوْجَعَهُ الضِّيَاءَ شِفَاءً يَهْدِي رُوحَهُ وَيَرُدُّ إِلَى الجَسَدِ كَرَامَتَهُ.
يَا نُورَ النُّورِ، خُذْنِي إِلَى العَابِدِ المُتَصَوِّفِ، الَّذِي فِي شِرَايِينِهِ يَجْرِي اليَقِينُ بِعِلْمِهِ وَبِعَيْنِهِ وَبِحَقِّهِ؛ فَاجْعَلْنِي مِنْهُمْ، أَسْكُبُ نُورًا فِي عَمَلِي وَسَكِينَةً فِي رُؤْيَتِي.
َا نُورَ النُّورِ، خُذْنِي حَيْثُ تَشَاءُ، وَانْقُلْنِي مِنْ ضِيِّ التَّشَتُّتِ إِلَى مَكْنُونِ التَّكْمِيلِ، مِنْ لُجَّةِ السَّفَرِ إِلَى مَرْفَأِ العِرْفَانِ، مِنْ لَفْظِ الهَمِّ إِلَى لَحْنِ السَّكَانِ.
وَأَنْتَ يَا نُورَ النُّورِ أَرْحَمُ مِنْ نَفْسِي عَلَى نَفْسِي، فَلاَ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلاَ تَتْرُكْنِي فِي وِحْدَتِهِا بَيْنَ مَكَارِهِ الدُّنْيَا، بَلِ اصْرِفْ نَظَرِي إِلَى نُورِكَ الدَّائِمِ، وَاجْعَلْنِي بِقُوَّتِكَ عَلَى مَشْقَّةِ الطَّرِيقِ، وَبِرَحْمَتِكَ فِي مَسِيرَةِ النُّفُوسِ.
يَا نُورَ النُّورِ، اجْمَعْ لِي عَنَاقِيدَ العِلْمِ وَنَتَفَ التَّجْرِبَةِ فِي كَأْسٍ وَاحِدٍ أَشْرَبُهُ بِقَلْبٍ صَابِرٍ وَأُقَدِّمُهُ لِلآخَرِينَ، لِيَكُونَ عَمَلِي دَرْبًا وَهَدْيًا وَمَحَبَّةً.
يَا نُورَ النُّورِ، كُنْ عِقَالِي الَّذِي يَرْبِطُنِي بِحَقِيقَتِكَ وَيُثَبِّتُنِي فِي طَرِيقِكَ، فَلاَ أَنْفَلِتُ إِلَى أَهْوَاءِ النَّفْسِ وَلاَ أَغْرَقُ فِي زَبَدِ الدُّنْيَا.
سُبْحَانَكَ يَا نُورَ النُّورِ، وَبِحَمْدِكَ نَسْتَعِينُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، فَاجْعَلْ خَيْرَ أَعْمَالِنَا خَاتِمَةً، وَخَيْرَ أَيَّامِنَا فِي حُضُورِكَ. أَمِينَ.