
في المشهد الأدبي العربي الحديث، تبرز غادة السمان بوصفها واحدة من الكاتبات اللواتي لم يتعاملن مع الأدب باعتباره مجرد مساحة للحكاية، بل جعلنه مجالًا لطرح الأسئلة ومواجهة المسكوت عنه والدفاع عن حرية الإنسان في التفكير والاختيار. وُلدت في دمشق عام 1942، ودرست الأدب الإنكليزي في الجامعة السورية، ثم انتقلت إلى بيروت حيث واصلت دراستها في الجامعة الأمريكية وعملت في الصحافة، قبل أن تنفتح تجربتها على مدن وثقافات مختلفة في أوروبا والعالم العربي.
منذ مجموعتها القصصية الأولى «عيناك قدري» التي صدرت عام 1962، بدا أن صوتًا أدبيًا مختلفًا يتشكل. لم تبقَ كتابتها محصورة في القضايا التقليدية التي كانت تُنتظر من الكاتبة العربية في ذلك الزمن، بل اتسعت تدريجيًا لتلامس الحب والحرب والاغتراب والمرأة والسلطة والمجتمع والحرية والأسئلة النفسية والوجودية. وقد ساعدتها تجربتها الصحفية وتنقلها بين العواصم على بناء رؤية أكثر اتساعًا للعالم، انعكست في أعمالها اللاحقة. كانت بيروت محطة أساسية في تكوينها الأدبي والإنساني.
هناك عملت في الصحافة وواصلت الكتابة، وهناك أيضًا اتسعت علاقتها بالحياة الثقافية العربية في واحدة من أكثر الفترات حيوية واضطرابًا في تاريخ المدينة. وقد ظلت بيروت حاضرة بقوة في أدبها، كما ظلت دمشق حاضرة في ذاكرتها وكتابتها، حتى بعد مغادرتها لها.
هذا الحضور المزدوج بين مدينة الميلاد ومدينة الحرية الثقافية منح تجربتها كثيرًا من التوتر والجمال؛ فهي تكتب عن المكان بوصفه ذاكرة، وعن الرحيل بوصفه تجربة، وعن الحرية بوصفها حاجة إنسانية لا تتوقف عند حدود الجغرافيا. ولعل ما جعل غادة السمان مختلفة هو أنها لم تكن تخشى الاقتراب من المناطق الحساسة في المجتمع. فقد تعاملت مع المرأة ليس باعتبارها موضوعًا أدبيًا فحسب، وإنما باعتبارها إنسانًا له حق السؤال والاختيار والتعبير عن ذاته.
ومع مرور الوقت، تجاوزت تجربتها التصنيف الضيق للأدب النسائي، لتصبح كتاباتها أكثر انشغالًا بالإنسان في علاقته بالمجتمع والسلطة والحرب والحب والخوف والاغتراب.
ولهذا ارتبط اسمها في قراءات نقدية وصحفية بفكرة التحرر وكسر التابوهات وإطلاق العقل من القيود المفروضة عليه. وفي عام 1974 ظهرت رواية «بيروت 75»، التي أصبحت محطة مهمة في مسيرتها الروائية. الرواية لا تكتفي بتقديم حكايات شخصيات تعيش في بيروت، بل تقترب من التوترات الاجتماعية والسياسية التي كانت تتجمع في المدينة قبيل الحرب الأهلية اللبنانية.
وبعدها جاءت «كوابيس بيروت» عام 1977، لتقدم صورة أكثر قسوة عن المدينة في زمن الحرب، وتكشف كيف يمكن للعنف السياسي أن يتسلل إلى الحياة اليومية وإلى أعماق الإنسان نفسه.
في كتاباتها، لا تبدو الحرية شعارًا جاهزًا، بل تجربة شاقة لها ثمنها. فالإنسان الذي يريد أن يكون حرًا عليه أن يواجه الخوف، وأن يتحمل مسؤولية اختياراته، وأن يقاوم الصور التي يرسمها الآخرون له.
ولهذا تبدو شخصيات غادة السمان في كثير من الأحيان وكأنها تعيش صراعًا بين ما تريده وما يُراد منها، وبين رغبتها في الانطلاق والقيود التي يفرضها المجتمع والحرب والذاكرة والعلاقات الإنسانية.ولم تكن علاقتها بالصحافة منفصلة عن تجربتها الأدبية.
فقد عملت صحفية ومراسلة، وساعدها هذا العمل على الاقتراب من الأحداث والناس، وعلى النظر إلى العالم من خلف أكثر من نافذة. كما أن أسفارها بين المدن الأوروبية والعربية وسّعت تجربتها الثقافية، ومنحت كتابتها قدرة على الجمع بين المحلي والعالمي، وبين الذاكرة الدمشقية والأسئلة الإنسانية التي تتجاوز المكان. وربما لهذا السبب يصعب وضع غادة السمان في خانة أدبية واحدة.
فهي كاتبة قصة، وروائية، وصحفية، وشاعرة، وصاحبة تجربة أدبية امتدت لعقود. ومن أعمالها «عيناك قدري»، و«لا بحر في بيروت»، و«ليل الغرباء»، و«بيروت 75»، و«كوابيس بيروت»، و«ليلة المليار»، إضافة إلى أعمال أخرى عديدة.
وقد أصبحت تجربتها موضوعًا لدراسات وكتب نقدية تناولت علاقتها بالمرأة والحب والحرب والحرية والتحرر والالتزام. لكن قيمة غادة السمان لا تكمن فقط في عدد الكتب التي كتبتها أو في حضورها الطويل في الأدب العربي، وإنما في الطريقة التي تعاملت بها مع الكتابة نفسها.
لقد بدا الأدب بالنسبة إليها وسيلة لفتح الأبواب المغلقة، وإعادة النظر في الأفكار التي اعتاد المجتمع التعامل معها باعتبارها حقائق نهائية. كانت الكتابة لديها نوعًا من المقاومة؛ مقاومة الخوف، ومقاومة الصمت، ومقاومة الصورة الجاهزة التي يمكن أن يُحاصر بها الإنسان.ومن هنا يمكن فهم العبارة التي ارتبطت بتجربتها الأدبية حول جعل الكتابة مساحة لـ«لحظة حرية».
فقد وصفت المجلة العربية هاجسها الأساسي بأنه الحرية، وربطت بين مشروعها الأدبي والرغبة في تحرير العقل العربي لدى النساء والرجال، وهو ما يفسر جانبًا مهمًا من جرأتها في تناول القضايا الحساسة وكسر عدد من التابوهات الأدبية والاجتماعية. غادة السمان ليست مجرد كاتبة كتبت عن الحرية؛ إنها كاتبة جعلت الكتابة نفسها تجربة للحرية.
ولهذا بقي حضورها مثيرًا للنقاش، وبقيت أعمالها قابلة لإعادة القراءة من أجيال مختلفة، لأن الأسئلة التي طرحتها لم تكن مرتبطة بزمن واحد. سؤال المرأة عن ذاتها، وسؤال الإنسان عن حريته، وصراع الفرد مع المجتمع، والخوف من الحرب، والبحث عن الحب والمعنى، كلها أسئلة تتغير أشكالها لكنها لا تختفي.
وفي النهاية، ربما تكمن أهمية غادة السمان في أنها لم تطلب من الأدب أن يكون مريحًا دائمًا. أرادته قادرًا على إزعاج اليقين، وكشف الجرح، وطرح السؤال الذي يخشاه الآخرون. وبين دمشق التي بقيت تسكن ذاكرتها، وبيروت التي احتضنت جانبًا مهمًا من تجربتها، والمدن التي عبرتها في رحلاتها، صنعت لنفسها صوتًا أدبيًا خاصًا؛ صوتًا يرى أن الإنسان لا يستطيع أن يكون كاملًا من دون أن يمتلك حقه في أن يسأل، وأن يحب، وأن يرفض، وأن يحلم، وأن يكتب.
ولهذا بقي الأدب عند غادة السمان أكثر من حكاية تُروى؛ كان نافذة مفتوحة على الحرية.